فهرس الكتاب
إلى التصديق.وفي هذا تلميح إلى سلطان القرآن الذي يطالعهم في آياته وحججه،وهم يكابرون فيها ويعاندون! ثم يناقش إحدى مقولاتهم المتهافتة عن اللّه سبحانه.تلك التي ينسبون إليه فيها بنوة الملائكة،الذين يتصورونهم إناثا موجها الخطاب مباشرة إليهم،زيادة في التخجيل والترذيل: «أَمْ لَهُ الْبَناتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ؟» .
وهم كانوا يعتبرون البنات في درجة أقل من درجة البنين،إلى حد أن تسود وجوههم من الكمد والكظم حين يبشرون بالأنثى.وكانوا مع هذا لا يستحيون من نسبة البنات إلى اللّه! فهو هنا يأخذهم بعرفهم وتقاليدهم،ليخجلهم من هذا الادعاء.وهو في ذاته متهافت لا يستقيم! وهم كانوا يستثقلون دعوة النبي لهم إلى الهدى وهو يقدمه لهم خالصا بريئا،لا يطلب عليه أجرا،ولا يفرض عليهم إتاوة.وأيسر ما يقتضيه هذا العرض البريء أن يستقبل صاحبه بالحسنى،وأن يرد بالحسنى إذا لم يقبلوا ما يقدمه لهم ويعرضه عليهم.وهو هنا يستنكر مسلكهم الذي لا داعي له يقول: «أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ؟» ..أي مثقلون من الغرم الذي تكلفهم إياه في صورة الأجر على ما تقول! فإذا كان الواقع أن لا أجر ولا غرامة.فكم يبدو عملهم مسترذلا قبيحا،يخجلون منه حين يواجهون به؟
ويعود يواجههم بحقيقة وجودهم ووضعهم في هذا الوجود.فهم عبيد لهم حدود.مكشوف لهم من هذا الوجود بقدر.محجوب عنهم ما وراءه،مما يختص به صاحب هذا الوجود.فهنالك غيب من اختصاص اللّه يقف دونه العبيد،لا علم لهم به،لأنهم عبيد: «أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ؟» ..
وهم يعلمون أن ليس عندهم الغيب،وأن ليس لهم به علم،وأن ليس لهم عليه قدرة.وأنهم لا يكتبون في سجل الغيب شيئا،إنما يكتب اللّه فيه ما يريد،مما يقدره للعبيد.
والذي يملك أمر الغيب وما يقدر فيه وما يدبر،هو الذي يملك أن يدبر فيه وأن يكيد.فما لهم وهم عن الغيب محجوبون،وفي سجله لا يكتبون يكيدون لك ويدبرون،ويحسبون أنهم قادرون على شيء من أمر المستقبل:فيقولون:شاعر نتربص به ريب المنون؟! «أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا؟ فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ» ! وهم الذين يحيق بهم ما يقدره صاحب الغيب لهم،وهم الذين يقع عليهم كيده ومكره.واللّه خير الماكرين.
«أَمْ لَهُمْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ؟» ..يقيهم ويتولاهم ويرد عنهم كيد اللّه .. «سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ» وتنزه - سبحانه - عن تصورهم الباطل السقيم! وبهذا التنزيه للّه سبحانه عن الشرك والشركاء تختم هذه الحملة المتلاحقة الخطى،القوية الإيقاع.وقد انكشفت كل شبهة،ودحضت كل حجة،ووقف القوم أمام الحقيقة العارية مجردين من كل عذر ومن كل دليل.عندئذ يقدمهم على حقيقتهم معاندين مكابرين يمارون في الحق الواضح،متمسكين بأدنى شبهة من بعيد: «وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا يَقُولُوا:سَحابٌ مَرْكُومٌ» ..أي إنه إذا أرسل عليهم العذاب في صورة قطعة من السماء تسقط عليهم وفيها الهلاك،قالوا وهم يرونها تسقط: « سَحابٌ مَرْكُومٌ» ..فيه الماء والحياة! عنادا منهم أن يسلموا