هذا الدين،ويكون الدين كله للّه ..أي أن يكون السلطان في الأرض كله للّه وأن يطارد المعتدون على سلطان اللّه في الأرض كلها.وبذلك وحده يكون الدين كله للّه ..
إن أهل الكتاب يعلمون جيدا هذه الحقيقة في هذا الدين ..ويعرفونه بها كما يعرفون أبناءهم ..وهم جيلا بعد جيل يدرسون هذا الدين دراسة دقيقة عميقة وينقبون عن أسرار قوته وعن مداخله إلى النفوس ومساربه فيها ويبحثون بجد:كيف يستطيعون أن يفسدوا القوة الموجهة في هذا الدين؟ كيف يلقون بالريب والشكوك في قلوب أهله؟ كيف يحرفون الكلم فيه عن مواضعه؟ كيف يصدون أهله عن العلم الحقيقي به؟ كيف يحولونه من حركة دافعة تحطم الباطل والجاهلية وتسترد سلطان اللّه في الأرض وتطارد المعتدين على هذا السلطان،وتجعل الدين كله للّه ..إلى حركة ثقافية باردة،وإلى بحوث نظرية ميتة،وإلى جدل لاهوتي أو فقهي أو طائفي فارغ؟ كيف يفرغون مفهوماته في أوضاع وأنظمة وتصورات غريبة عنه مدمرة له،مع إيهام أهله أن عقيدتهم محترمة مصونة؟! كيف في النهاية يملأون فراغ العقيدة بتصورات أخرى ومفهومات أخرى واهتمامات أخرى،ليجهزوا على الجذور العاطفية الباقية من العقيدة الباهتة؟! إن أهل الكتاب يدرسون هذا الدين دراسة جادة عميقة فاحصة لا لأنهم يبحثون عن الحقيقة - كما يتوهم السذج من أهل هذا الدين! - ولا لينصفوا هذا الدين وأصله - كما يتصور بعض المخدوعين حينما يرون اعترافا من باحث أو مستشرق بجانب طيب في هذا الدين! - كلا! إنما هم يقومون بهذه الدراسة الجادة العميقة الفاحصة،لأنهم يبحثون عن مقتل لهذا الدين! لأنهم يببحثون عن منافذه ومساربه إلى الفطرة ليسدوها أو يميعوها! لأنهم يبحثون عن أسرار قوته ليقاوموه منها! لأنهم يريدون أن يعرفوا كيف يبني نفسه في النفوس ليبنوا على غراره التصورات المضادة التي يريدون ملء فراغ الناس بها! وهم من أجل هذه الأهداف والملابسات كلها يعرفونه كما يعرفون أبناءهم! ومن واجبنا نحن أن نعرف ذلك
وأن نعرف معه أننا نحن الأولى بأن نعرف ديننا كما نعرف أبناءنا! إن الواقع التاريخي من خلال أربعة عشر قرنا ينطق بحقيقة واحدة ..هي هذه الحقيقة التي يقررها القرآن الكريم في هذه الآية: «الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ» ..ولكن هذه الحقيقة تتضح في هذه الفترة وتتجلى بصورة خاصة ..إن البحوث التي تكتب عن الإسلام في هذه الفترة تصدر بمعدل كتاب كل أسبوع بلغة من اللغات الأجنبية ..وتنطق هذه البحوث بمدى معرفة أهل الكتاب بكل صغيرة وكبيرة عن طبيعة هذا الدين وتاريخه،ومصادر قوته،ووسائل مقاومته،وطرق إفساد توجيهه! ومعظمهم - بطبيعة الحال - لا يفصح عن نيته هذه فهم يعلمون أن الهجوم الصريح على هذا الدين كان يثير حماسة الدفاع والمقاومة وأن الحركات التي قامت لطرد الهجوم المسلح على هذا الدين - الممثل في الاستعمار - إنما كانت ترتكز على قاعدة من الوعي الديني أو على الأقل العاطفة الدينية وأن استمرار الهجوم على الإسلام - ولو في الصورة الفكرية - سيظل يثير حماسة الدفاع والمقاومة! لذلك يلجأ معظمهم