فهرس الكتاب
فأما لوط فوقف مكروبا يحاول أن يدفع عن ضيفه وعن شرفه.وقف يستشير النخوة الآدمية فيهم ويستجيش وجدان التقوى للّه.وإنه ليعلم أنهم لا يتقون اللّه،ويعلم أن هذه النفوس المرتكسة المطموسة لم تعد فيها نخوة ولا شعور إنساني يستجاش.ولكنه في كربه وشدته يحاول ما يستطيع:
« قالَ:إِنَّ هؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ،وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ» ..وبدلا من أن يثير هذا في نفوسهم رواسب المروءة والحياة،إذا هم يتبجحون فيؤنبون لوطا على استضافة أحد من الرجال.كأنما هو الجاني الذي هيأ لهم أسباب الجريمة ودفعهم إليها وهم لا يملكون له دفاعا! «قالُوا:أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعالَمِينَ؟» ..
ويمضي لوط في محاولته يلوح لهم باتجاه الفطرة السليم إلى الجنس الآخر.إلى الإناث اللواتي جعلهن اللّه لتلبية هذا الدافع العميق في نظام الحياة ليكون النسل الذي تمتد به الحياة وجعل تلبية هذا الدافع معهن موضع اللذة السليمة المريحة للجنسين معا - في الحالات الطبيعية - ليكون هذا ضمانا لامتداد الحياة،بدافع من الرغبة الشخصية العميقة ..يمضي لوط في محاولته هذه: {قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (71) } [الحجر:71]
ولوط النبي لا يعرض بناته على هؤلاء الفجار ليأخذوهن سفاحا.إنما هو يلوح لهم بالطريق الطبيعي الذي ترضاه الفطرة السليمة،لينبه فيهم هذه الفطرة.وهو يعلم أنهم إن ثابوا إليها فلن يطلبوا النساء سفاحا.فهو مجرد هتاف للفطرة السليمة في نفوسهم لعلها تستيقظ على هذا العرض الذي هم عنه معرضون.
وبينما هذا المشهد معروض.القوم في سعارهم المريض يستبشرون ويتلمظون.ولوط يدافعهم ويستشير نخوتهم،ويستجيش وجدانهم،ويحرك دواعي الفطرة السليمة فيهم،وهم في سعارهم مندفعون ..بينما المشهد البشع معروض على هذا النحو المثير يلتفت السياق خطابا لمن يشهد ذلك المشهد،على طريقة العرب في كلامهم بالقسم: «لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ» ..لتصوير حالتهم الأصيلة الدائمة التي لا يرجى معها أن يفيقوا ولا أن يسمعوا هواتف النخوة والتقوى والفطرة السليمة.ثم تكون الخاتمة.وتحق عليهم كلمة اللّه: « ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَما كانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ» ..
وإذا نحن أمام مشهد الدمار والخراب والخسف والهلاك المناسب لتلك الطبائع المقلوبة: «فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ.فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ» ..وقد خسف بقرى لوط بظاهرة تشبه ظاهرة الزلازل أو البراكين وتصاحبها أحيانا ظاهرة الخسف وتناثر أحجار ملوثة بالطين وهبوط مدن بكاملها تسيح في الأرض.ويقال:إن بحيرة لوط الحالية وجدت بعد هذا الحادث،بعد انقلاب عمورة وسدوم في باطن الأرض،وهبوط مكانها وامتلائه بالماء.ولكننا لا نعلل ما وقع لهم بأنه كان زلزالا أو بركانا عابرا مما يقع في كل حين ..فالمنهج الإيماني الذي نحرص عليه في هذه الظلال يبعد كل البعد عن هذه المحاولة! إننا نعلم علم اليقين أن الظواهر الكونية كلها تجري وفق ناموس اللّه