فهرس الكتاب

الصفحة 1568 من 4997

الإنساني،فلم يعد وراءها شيء. وقد سكبت فيه الطمأنينة الواثقة بربه الذي وجده في قلبه وعقله وفي الوجود من حوله .. وهو مشهد يتجلى بكل روعته وبهائه في الفقرة التالية في السياق.

لقد انتهى إبراهيم إلى رؤية اللّه - سبحانه - في ضميره وعقله وفي الوجود من حوله. وقد اطمأن قلبه واستراح باله. وقد أحس بيد اللّه تأخذ بيده وتقود خطاه في الطريق .. والآن يجيء قومه ليجادلوه فيما انتهى إليه من يقين وفيما انشرح له صدره من توحيد وليخوفوه آلهتهم التي تنكر لها أن تنزل به سوءا .. وهو يواجههم في يقينه الجازم وفي إيمانه الراسخ وفي رؤيته الباطنة والظاهرة لربه الحق الذي هداه: «وَحاجَّهُ قَوْمُهُ،قالَ:أَتُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدانِ؟ وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئًا،وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا. أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ؟ وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ،وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطانًا؟ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ؟» ..

إن الفطرة حين تنحرف تضل ثم تتمادى في ضلالها،وتتسع الزاوية ويبعد الخط عن نقطة الابتداء،حتى ليصعب عليها أن تثوب .. وهؤلاء قوم إبراهيم - عليه السّلام - يعبدون أصناما وكواكب ونجوما. فلا يتفكرون ولا يتدبرون هذه الرحلة الهائلة التي تمت في نفس إبراهيم. ولم يكن هذا داعيا لهم لمجرد التفكر والتدبر.

بل جاءوا يجادلونه ويحاجونه. وهم على هذا الوهن الظاهر في تصوراتهم وفي ضلال مبين.

ولكن إبراهيم المؤمن الذي وجد اللّه في قلبه وعقله وفي الوجود كله من حوله،يواجههم مستنكرا في طمأنينة «قالَ:أَتُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدانِ؟» ..أتجادلونني في اللّه وقد وجدته يأخذ بيدي،ويفتح بصيرتي،ويهديني إليه،ويعرفني به .. لقد أخذ بيدي وقادني فهو موجود - وهذا هو في نفسي دليل الوجود - لقد رأيته في ضميري وفي وعيي،كما رأيته في الكون من حولي. فما جدالكم في أمر أنا أجده في نفسي ولا أطلب عليه الدليل. فهدايته لي إليه هي الدليل؟!

«وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ» ..وكيف يخاف من وجد اللّه؟ وماذا يخاف ومن ذا يخاف؟ وكل قوة - غير قوة اللّه - هزيلة وكل سلطان - غير سلطان اللّه - لا يخاف؟! ولكن إبراهيم في عمق إيمانه،واستسلام وجدانه،لا يريد أن يجزم بشيء إلا مرتكبا إلى مشيئة اللّه الطليقة،وإلى علم اللّه الشامل: «إِلَّا أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئًا. وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا» .فهو يكل إلى مشيئة اللّه حمايته ورعايته ويعلن أنه لا يخاف من آلهتهم شيئا،لأنه يركن إلى حماية اللّه ورعايته. ويعلم أنه لا يصيبه إلا ما شاءه اللّه،ووسعه علمه الذي يسع كل شيء ..

«وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ،وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطانًا؟ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ؟» .

إنه منطق المؤمن الواثق المدرك لحقائق هذا الوجود. إنه إن كان أحد قمينا بالخوف فليس هو إبراهيم - وليس هو المؤمن الذي يضع يده في يد اللّه ويمضي في الطريق - وكيف يخاف آلهة عاجزة - كائنة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت