فهرس الكتاب
ما كانت هذه الآلهة،والتي تتبدى أحيانا في صورة جبارين في الأرض بطاشين وهم أمام قدرة اللّه مهزولون مضعوفون! - كيف يخاف إبراهيم هذه الآلهة الزائفة العاجزة،ولا يخافون هم أنهم أشركوا باللّه ما لم يجعل له سلطانا ولا قوة من الأشياء والأحياء؟ وأي الفريقين أحق بالأمن؟ الذي يؤمن به ويكفر بالشركاء؟ أم الذي يشرك باللّه ما لا سلطان له ولا قوة؟ أي الفريقين أحق بالأمن،لو كان لهم شيء من العلم والفهم؟! هنا يتنزل الجواب من الملأ الأعلى ويقضي اللّه بحكمه في هذه القضية:
«الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ،أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ» ..الذين آمنوا وأخلصوا أنفسهم للّه،لا يخلطون بهذا الإيمان شركا في عبادة ولا طاعة ولا اتجاه. هؤلاء لهم الأمن،وهؤلاء هم المهتدون .. «وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ،نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ ..»
ولقد كانت هذه هي الحجة التي ألهمها اللّه إبراهيم ليدحض بها حجتهم التي جاءوا بها يجادلونه. ولقد كشف لهم عن وهن ما هم عليه من تصورهم أن هذه الآلهة تملك أن تسيء إليه .. وواضح أنهم ما كانوا يجحدون وجود اللّه ولا أنه هو صاحب القوة والسلطان في الكون،ولكنهم كانوا يشركون به هذه الآلهة. فلما واجههم إبراهيم،بأن من كان يخلص نفسه للّه لا يخاف من دونه،فأما من يشرك باللّه فهو أحق بالمخافة ..لما واجههم بهذه الحجة التي آتاها اللّه له وألهمه إياها،سقطت حجتهم،وعلت حجته،وارتفع إبراهيم على قومه عقيدة وحجة ومنزلة .. وهكذا يرفع اللّه من يشاء درجات. متصرفا في هذا بحكمته وعلمه: « إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ» ..
وقبل أن نغادر هذه الفقرة نحب أن نستمتع بنفحة من نفحات الحياة في عصر صحابة رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وهذا القرآن يتنزل عليهم غضا وتشربه نفوسهم وتعيش به وله وتتعامل به وتتعايش بمدلولاته وإيحاءاته ومقتضياته،في جد وفي وعي وفي التزام عجيب،تأخذنا روعته وتبهرنا جديته وندرك منه كيف كان هذا الرهط الفريد من الناس،وكيف صنع اللّه بهذا الرهط ما صنع من الخوارق،في ربع قرن من الزمان:
عَنْ عَبْدِ اللهِ،قَالَ:لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا} [الأنعام:] إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ،قَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -:أَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ؟ قَالَ:فَنَزَلَتْ: {إِنَّ الشِّرْكَ} [لقمان:] لَظُلْمٌ عَظِيمٌ". [1] .."
وعن المسيّب:أن عمر بن الخطاب قرأ:"الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم"،فلما قرأها فزع،فأتى أبيّ بن كعب فقال:يا أبا المنذر،قرأتُ آية من كتاب الله،مَنْ يَسْلم؟ فقال:ما هي؟ فقرأها عليه = فأيُّنا لا يظلِمُ نفسه؟ فقال:غفر الله لك!أما سمعت الله تعالى ذكره يقول: { إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } ؟ إنما هو:ولم يلبسوا إيمانهم بشرك [2] ...
(1) - صحيح البخارى- المكنز [23 /42] (6937 ) وصحيح ابن حبان- ط2 مؤسسة الرسالة [1 /487] (253)
(2) - تفسير الطبري - مؤسسة الرسالة [11 /499] (13493 ) حسن