وتبدأ القصة بوصف ما كانوا فيه من رزق ورغد ونعيم،وما طلب إليهم من شكر المنعم بقدر ما يطيقون: «لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ.كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ.بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ» ..
وسبأ اسم لقوم كانوا يسكنون جنوبي اليمن وكانوا في أرض مخصبة ما تزال منها بقية إلى اليوم.وقد ارتقوا في سلم الحضارة حتى تحكموا في مياه الأمطار الغزيرة التي تأتيهم من البحر في الجنوب والشرق،فأقاموا خزانا طبيعيا يتألف جانباه من جبلين،وجعلوا على فم الوادي بينهما سدا به عيون تفتح وتغلق،وخزنوا الماء بكميات عظيمة وراء السد،وتحكموا فيها وفق حاجتهم.فكان لهم من هذا مورد مائي عظيم.وقد عرف باسم: «سد مأرب» .
وهذه الجنان عن اليمين والشمال رمز لذلك الخصب والوفرة والرخاء والمتاع الجميل،ومن ثم كانت آية تذكر بالمنعم الوهاب.وقد أمروا أن يستمتعوا برزق اللّه شاكرين: «كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ» ..وذكروا بالنعمة.نعمة البلد الطيب وفوقها نعمة الغفران على القصور من الشكر والتجاوز عن السيئات. «بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ» ..سماحة في الأرض بالنعمة والرخاء.وسماحة في السماء بالعفو والغفران.فماذا يقعدهم عن الحمد والشكران؟
ولكنهم لم يشكروا ولم يذكروا: «فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ،وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ:خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ» ..أعرضوا عن شكر اللّه،وعن العمل الصالح،والتصرف الحميد فيما أنعم اللّه عليهم،فسلبهم سبب هذا الرخاء الجميل الذي يعيشون فيه وأرسل السيل الجارف الذي يحمل العرم في طريقه وهي الحجارة لشدة تدفقه،فحطم السد وانساحت المياه فطغت وأغرقت ثم لم يعد الماء يخزن بعد ذلك فجفت واحترقت.وتبدلت تلك الجنان الفيح صحراء تتناثر فيها الأشجار البرية الخشنة: «وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ:خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ» ..والخمط شجر الأراك أو كل شجر ذي شوك.والأثل شجر يشبه الطرفاء.والسدر النبق.وهو أجود ما صار لهم ولم يعد لهم منه إلا قليل!
«ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا» ..والأرجح أنه كفران النعمة .. «وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ» ..
وكانوا إلى هذا الوقت ما يزالون في قراهم وبيوتهم.ضيق اللّه عليهم في الرزق،وبدلهم من الرفاهية والنعماء خشونة وشدة ولكنه لم يمزقهم ولم يفرقهم.وكان العمران ما يزال متصلا بينهم وبين القرى المباركة:مكة في الجزيرة،وبيت المقدس في الشام.فقد كانت اليمن ما تزال عامرة في شمال بلاد سبأ ومتصلة بالقرى المباركة.والطريق بينهما عامر مطروق مسلوك مأمون: «وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرىً ظاهِرَةً،وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ.سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ» ..
وقيل كان المسافر يخرج من قرية فيدخل الأخرى قبل دخول الظلام.فكان السفر فيها محدود المسافات،مأمونا على المسافرين.كما كانت الراحة موفورة لتقارب المنازل وتقارب المحطات في