ثم يخلي يده منهم بعد وفاته ..وظاهر النصوص القرآنية يفيد أن اللّه - سبحانه - قد توفى عيسى بن مريم ثم رفعه إليه.وبعض الآثار تفيد أنه حي عند اللّه.وليس هنالك - فيما أرى - أي تعارض يثير أي استشكال بين أن يكون اللّه قد توفاه من حياة الأرض،وأن يكون حيا عنده.فالشهداء كذلك يموتون في الأرض وهم أحياء عند اللّه.أما صورة حياتهم عنده فنحن لا ندري لها كيفا.وكذلك صورة حياة عيسى - عليه السّلام - وهو هنا يقول لربه:إنني لا أدري ماذا كان منهم بعد وفاتي:وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ما دُمْتُ فِيهِمْ،فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ» ..
وينتهي إلى التفويض المطلق في أمرهم مع تقرير عبوديتهم للّه وحده.وتقرير قوة اللّه على المغفرة لهم أو عذابهم وحكمته فيما يقسم لهم من جزاء سواء كان هو المغفرة أو العذاب: «إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ،وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» ..فيا للّه للعبد الصالح في موقفه الرهيب! وأين أولئك الذين أطلقوا هذه الفرية الكبيرة التي يتبرأ منها العبد الطاهر البريء ذلك التبرؤ الواجف،ويبتهل من أجلها إلى ربه هذا الابتهال المنيب؟ أين هم في هذا الموقف،في هذا المشهد؟ ..إن السياق لا يلقي إليهم التفاتة واحدة.فلعلهم يتذاوبون خزيا وندما.فلندعهم حيث تركهم السياق! لنشهد ختام المشهد العجيب: «قالَ اللَّهُ:هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ.لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا،رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ،ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ» ....هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم ..إنه التعقيب المناسب على كذب الكاذبين الذين أطلقوا تلك الفرية الضخمة على ذلك النبي الكريم.في أعظم القضايا كافة ..قضية الألوهية والعبودية،التي يقوم على أساس الحق فيها هذا الوجود كله وما فيه ومن فيه ..
..هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم ..إنها كلمة رب العالمين،في ختام الاستجواب الهائل على مشهد من العالمين ..وهي الكلمة الأخيرة في المشهد.وهي الكلمة الحاسمة في القضية.ومعها ذلك الجزاء الذي يليق بالصدق والصادقين: «لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ» .. «خالِدِينَ فِيها أَبَدًا» .. «رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ» .. « وَرَضُوا عَنْهُ» ..درجات بعد درجات ..الجنات والخلود ورضا اللّه ورضاهم بما لقوا من ربهم من التكريم: «ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ» ..
ولقد شهدنا المشهد - من خلال العرض القرآني له بطريقة القرآن الفريدة - وسمعنا الكلمة الأخيرة ..شهدنا وسمعنا لأن طريقة التصوير القرآنية لم تدعه وعدا يوعد،ولا مستقبلا ينتظر ولم تدعه عبارات تسمعها الآذان أو تقرؤها العيون.إنما حركت به المشاعر،وجسمته واقعا اللحظة تسمعه الآذان وتراه العيون ..على أنه إن كان بالقياس إلينا - نحن البشر المحجوبين - مستقبلا ننتظره يوم الدين،فهو بالقياس إلى علم اللّه المطلق،واقع حاضر.فالزمن وحجابه إنما هما من تصوراتنا نحن البشر الفانين ..