فهرس الكتاب

الصفحة 3149 من 4997

نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ.قالَ:رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ.قالَ:عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ.فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْناهُمْ غُثاءً.فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ» ..

إن استعراض قصص الرسل في هذه السورة ليس للتقصي والتفصيل إنما هو لتقرير الكلمة الواحدة التي جاء بها الجميع،والاستقبال الواحد الذي لقوه من الجميع.ومن ثم بدأ بذكر نوح - عليه السلام - ليحدد نقطة البدء وانتهى بموسى وعيسى ليحدد النقطة الأخيرة قبل الرسالة الأخيرة.ولم يذكر الأسماء في وسط السلسلة الطويلة،كي يدل على تشابه حلقاتها بين البدء والنهاية.إنما ذكر الكلمة الواحدة في كل حلقة والاستقبال الواحد،لأن هذا هو المقصود.

«ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ» ..لم يحدد من هم.وهم على الأرجح عاد قوم هود ..

« فَأَرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ.أَفَلا تَتَّقُونَ؟» ..ذات الكلمة الواحدة التي قالها من قبله نوح.يحكيها بالألفاظ ذاتها،مع اختلاف اللغات التي كانت تتخاطب بها القرون! فماذا كان الجواب؟

إنه الجواب ذاته على وجه التقريب: «وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقاءِ الْآخِرَةِ،وَأَتْرَفْناهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا:ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ.وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخاسِرُونَ» ..

فالاعتراض المكرور هو الاعتراض على بشرية الرسول.وهو الاعتراض الناشئ من انقطاع الصلة بين قلوب هؤلاء الكبراء المترفين،وبين النفخة العلوية التي تصل الإنسان بخالقه الكريم.

والترف يفسد الفطرة،ويغلظ المشاعر،ويسد المنافذ،ويفقد القلوب تلك الحساسية المرهفة التي تتلقى وتتأثر وتستجيب.ومن هنا يحارب الإسلام الترف ويقيم نظمه الاجتماعية على أساس لا يسمح للمترفين بالوجود في الجماعة المسلمة،لأنهم كالعفن يفسد ما حوله،حتى لينخر فيه السوس،ويسبح فيه الدود! ثم يزيد المترفون هنا إنكار البعث بعد الموت والبلى ويعجبون من هذا الرسول الذي ينبئهم بهذا الأمر الغريب.

«أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرابًا وَعِظامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ؟ هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ:إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا،نَمُوتُ وَنَحْيا،وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ» ..ومثل هؤلاء لا يمكن أن يدركوا حكمة الحياة الكبرى ودقة التدبير في أطوارها للوصول بها إلى غايتها البعيدة.هذه الغاية التي لا تتحقق بكمالها في هذه الأرض.فالخير لا يلقى جزاءه الكامل في الحياة الدنيا.والشر كذلك.إنما يستكملان هذا الجزاء هنالك،حيث يصل المؤمنون الصالحون إلى قمة الحياة المثلى،التي لا خوف فيها ولا نصب،ولا تحول فيها ولا زوال - إلا أن يشاء اللّه - ويصل المرتكسون المنتكسون إلى درك الحياة السفلية التي تهدر فيها آدميتهم،ويرتدون فيها أحجارا،أو كالأحجار! مثل هؤلاء لا يدركون هذه المعاني ولا يستدلون من أطوار الحياة الأولى - التي سبقت في السورة - على أطوارها الأخيرة ولا ينتبهون إلى أن القوة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت