وهذا إعلام من الله جل ثناؤه للمشركين الذين جادلوا نبيَّ الله وأصحابه في تحريم الميتة بما جادَلوهم به،أن الذي جادلوهم فيه من ذلك هو الحرام الذي حرّمه الله،وأن الذي زعموا أنّ الله حرمه حلالٌ قد أحلَّه الله،وأنهم كذبة في إضافتهم تحريمه إلى الله [1] ..
وقال في تأويل قوله تعالى: «فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» :... «أن معناه:فمن اضطر إلى أكل ما حرم اللّه من أكل الميتة والدم المسفوح أو لحم الخنزير،أو ما أهل لغير اللّه به،غير باغ في أكله إياه تلذذا،لا لضرورة حالة من الجوع ولا عاد في أكله بتجاوزه ما حده اللّه وأباحه له من أكله،وذلك أن يأكل منه ما يدفع عنه الخوف على نفسه بترك أكله من الهلاك .. لم يتجاوز ذلك إلى أكثر منه .. فلا حرج عليه في أكله ما أكل من ذلك. «فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ» فيما فعل من ذلك،فساتر عليه،بتركه عقوبته عليه. ولو شاء عاقبه عليه. «رحيم» بإباحته إياه أكل ذلك عند حاجته إليه. ولو شاء حرمه عليه ومنعه منه».
أما حد الاضطرار الذي يباح فيه الأكل من هذه المحرمات والمقدار المباح منها فحولهما خلافات فقهية
فرأي أنه يباح ما يحفظ الحياة فقط عند خوف الهلاك لو امتنع .. ورأي أنه يباح ما يحقق الكفاية والشبع ..ورأي أنه يباح فوق ذلك ما يدخر لأكلات أخرى إذا خيف انقطاع الطعام .. ولا ندخل في تفصيلات الفروع .. فهذا القدر منها يكفي في هذا الموضع.
فأما اليهود فقد حرم اللّه عليهم كل ذي ظفر من الحيوان - أي كل حيوان قدمه غير مشقوقة وذلك كالإبل والنعام والأوز والبط. وحرم كذلك شحم البقر والغنم - إلا شحم الظهر،أو الدهن الملتف بالأمعاء،أو ما اختلط منه بالعظم .. وكان ذلك عقوبة لهم على بغيهم بتجاوز أوامر اللّه وشرائعه:
«وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ. وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما - إِلَّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ - ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ،وَإِنَّا لَصادِقُونَ» .
والنص يبين سبب هذا التحريم،وهو سبب خاص باليهود،ويؤكد أن هذا هو الصدق،لا ما يقولونه هم من أن إسرائيل،وهو يعقوب جدهم،هو الذي حرم هذا على نفسه فهم يتبعونه فيما حرم على نفسه ..لقد كان هذا مباحا حلالا ليعقوب. ولكنه حرم عليهم بعد ما بغوا،فجازاهم اللّه بهذا الحرمان من الطيبات. «فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ:رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ،وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ» ..فقل ربكم ذو رحمة واسعة بنا،وبمن كان مؤمنا من عباده،وبغيرهم من خلقه. فرحمته - سبحانه - تسع المحسن والمسيء وهو لا يعجل على من استحق العقاب حلما منه ورحمة. فإن بعضهم قد يثوب إلى اللّه .. ولكن بأسه شديد لا يرده عن المجرمين إلا حلمه،وما قدره من إمهالهم إلى أجل مرسوم.وهذا القول
(1) - تفسير الطبري - مؤسسة الرسالة [12 /190]