فهرس الكتاب

الصفحة 1139 من 4997

«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ - وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ - إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا.وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا» ..

إنه نداء للذين آمنوا.نداء لهم بصفتهم الجديدة.وهي صفتهم الفريدة.صفتهم التي بها أنشئوا نشأة أخرى وولدوا ميلادا آخر.ولدت أرواحهم،وولدت تصوراتهم،وولدت مبادئهم وأهدافهم،وولدت معهم المهمة الجديدة التي تناط بهم،والأمانة العظيمة التي وكلت إليهم ..أمانة القوامة على البشرية،والحكم بين الناس بالعدل ..ومن ثم كان للنداء بهذه الصفة قيمته وكان له معناه: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ...» فبسبب من اتصافهم بهذه الصفة،كان التكليف بهذه الأمانة الكبرى.وبسبب من اتصافهم بهذه الصفة كان التهيؤ والاستعداد للنهوض بهذه الأمانة الكبرى ..

وهي لمسة من لمسات المنهج التربوي الحكيم تسبق التكليف الشاق الثقيل: « كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ،شُهَداءَ لِلَّهِ - وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ.إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما» ..

إنها أمانة القيام بالقسط ..بالقسط على إطلاقه.في كل حال وفي كل مجال.القسط الذي يمنع البغي والظلم - في الأرض - والذي يكفل العدل - بين الناس - والذي يعطي كل ذي حق حقه من المسلمين وغير المسلمين ..ففي هذا الحق يتساوى عند اللّه المؤمنون وغير المؤمنين - كما رأينا في قصة اليهودي - ويتساوى الأقارب والأباعد.ويتساوى الأصدقاء والأعداء.ويتساوى الأغنياء والفقراء ..

«كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ،شُهَداءَ لِلَّهِ» ..حسبة للّه.وتعاملا مباشرا معه.لا لحساب أحد من المشهود لهم أو عليهم.ولا لمصلحة فرد أو جماعة أو أمة.ولا تعاملا مع الملابسات المحيطة بأي عنصر من عناصر القضية.ولكن شهادة للّه،وتعاملا مع اللّه.وتجردا من كل ميل،ومن كل هوى،ومن كل مصلحة،ومن كل اعتبار . «وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ» ..

وهنا يحاول المنهج تجنيد النفس في وجه ذاتها،وفي وجه عواطفها،تجاه ذاتها أولا،وتجاه الوالدين والأقربين ثانيا ..وهي محاولة شاقة ..أشق كثيرا من نطقها باللسان،ومن إدراك معناها ومدلولها بالعقل ..إن مزاولتها عمليا شيء آخر غير إدراكها عقليا.ولا يعرف هذا الذي نقوله إلا من يحاول أن يزاول هذه التجربة واقعيا ..ولكن المنهج يجند النفس المؤمنة لهذه التجربة الشاقة.لأنها لا بد أن توجد.لا بد أن توجد في الأرض هذه القاعدة.ولا بد أن يقيمها ناس من البشر.

ثم هو يجند النفس كذلك في وجه مشاعرها الفطرية أو الاجتماعية حين يكون المشهود له أو عليه فقيرا،تشفق النفس من شهادة الحق ضده،وتود أن تشهد له معاونة لضعفه.أو من يكون فقره مدعاة للشهادة ضده بحكم الرواسب النفسية الاجتماعية كما هو الحال في المجتمعات الجاهلية.وحين يكون المشهود له أو عليه غنيا تقتضي الأوضاع الاجتماعية مجاملته.أو قد يثير غناه وتبطره النفس ضده

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت