إِلَيْها،وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً.إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ.وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ.إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ.وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَابْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ.إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ.وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها.إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ.وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ،ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ.وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ.وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ - وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ - وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» ..
إنها جولة ضخمة هائلة،لطيفة عميقة،بعيدة الآماد والأغوار.جولة تطوّف بالقلب البشري في الأمسيات والأصباح،والسماوات والأرض،والعشي والأظهار،وتفتح هذا القلب لتدبر الحياة والموت والعمليات الدائبة في النشوء والدثور.وترتد به إلى نشأة الإنسان الأولى،وإلى ما ركب في فطرته من ميول ونوازع،وقوى وطاقات،وما يقوم بين زوجيه من علائق وروابط،وفق تلك الميول والنوازع وهذه القوى والطاقات.وتوجهه إلى آيات اللّه في خلق السماوات والأرض واختلاف الألسنة والألوان وفقا لاختلاف البيئة والمكان.
وإلى تدبر ما يعتري الكائن البشري من نوم ويقظة وراحة وكد.وإلى ما يعتري الكون من ظواهر البرق والمطر،وما تثيره في نفوس البشر من خوف وطمع،وفي بنية الأرض من حياة وازدهار.وتمضي هذه الجولة العجيبة في النهاية بالقلب البشري إلى قيام السماوات والأرض في هذا كله بأمر اللّه وإلى توجه من في السماوات والأرض كلهم للّه.وتنتهي بالحقيقة التي تنجلى حينئذ واضحة هينة يسيرة:إن اللّه هو يبدئ ويعيد.والإعادة أهون عليه.وله المثل الأعلى في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم: « فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ،وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ» ..
إن ذلك التسبيح وهذا الحمد يجيئان تعقيبا على مشهد القيامة في الفقرة السابقة،وفوز المؤمنين بروضة فيها يحبرون،وانتهاء الكافرين المكذبين إلى شهود العذاب.ومقدمة لهذه الجولة في ملكوت السماوات والأرض،وأغوار النفس وعجائب الخلق.فيتسقان مع التعقيب على المشهد وعلى التقديم للجولة كل الاتساق.
والنص يربط التسبيح والحمد بالأوقات:الإمساء والإصباح والعشي والأظهار كما يربطهما بآفاق السماوات والأرض.فيتقصى بهما الزمان والمكان ويربط القلب البشري باللّه في كل بقعة وفي كل أوان ويشعر بتلك الرابطة في الخالق مع هيكل الكون ودورة الأفلاك وظواهر الليل والنهار والعشي والأظهار ..