والحكيم الذي ينبه الغافلين إلى تدبر آيات اللّه في صفحة الكون وتضاعيفه.في السماء والأرض.وفي الشمس والقمر.وفي الليل والنهار ..وفي مصارع القرون الأولى.وفي قصص الرسل فيهم ..وفي دلائل القدرة الكامنة والظاهرة في هذا الوجود .. «أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ،وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ؟ قالَ الْكافِرُونَ.إِنَّ هذا لَساحِرٌ مُبِينٌ» :
سؤال استنكاري.يستنكر هذا العجب الذي تلقى به الناس حقيقة الوحي منذ كانت الرسل.
لقد كان السؤال الدائم الذي قوبل به كل رسول:أبعث اللّه بشرا رسولا؟ ومبعث هذا السؤال هو عدم إدراك قيمة «الإنسان» .عدم إدراك الناس أنفسهم لقيمة «الإنسان» الذي يتمثل فيهم.فهم يستكثرون على بشر أن يكون رسول اللّه،وأن يتصل اللّه به - عن طريق الوحي - فيكلفه هداية الناس.إنهم ينتظرون أن يرسل اللّه ملكا أو خلقا آخر أعلى رتبة من الإنسان عند اللّه.غير ناظرين إلى تكريم اللّه لهذا المخلوق ومن تكريمه أن يكون أهلا لحمل رسالته وأن يختار من بين أفراده من يتصل باللّه هذا الاتصال الخاص.
هذه كانت شبهة الكفار المكذبين على عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - وشبهة أمثالهم في القرون الأولى.
فأما في هذا العصر الحديث فيقيم بعض الناس من أنفسهم لأنفسهم شبهة أخرى لا تقل تهافتا عن تلك! إنهم يسألون:كيف يتم الاتصال بين بشر ذي طبيعة مادية وبين اللّه المخالف لطبيعة كل شيء مما خلق.والذي ليس كمثله شيء؟
وهو سؤال لا يحق لأحد أن يسأله إلا أن يكون قد أحاط علما بحقيقة اللّه سبحانه وطبيعة ذاته الإلهية،كما أحاط علما بكل خصائص الإنسان التي أودعها اللّه إياه.وهو مالا يدعيه أحد يحترم عقله،ويعرف حدود هذا العقل.بل يعرف أن خصائص الإنسان القابلة للكشف ما يزال يكشف منها جديد بعد جديد،ولم يقف العلم بعد حتى يقال:إنه أدرك كل الخصائص الإنسانية القابلة للإدراك.فضلا على أنه ستبقى وراء إدراك العلم والعقل دائما آفاق من المجهول بعد آفاق! ففي الإنسان إذن طاقات مجهولة لا يعلمها إلا اللّه.واللّه أعلم حيث يجعل رسالته في الإنسان ذي الطاقة التي تحمل هذه الرسالة.وقد تكون هذه الطاقة مجهولة للناس،ومجهولة لصاحبها نفسه قبل الرسالة.ولكن اللّه الذي نفخ في هذا الإنسان من روحه عليم بما تنطوي عليه كل خلية،وكل بنية،وكل مخلوق وقادر على أن يطوع لإنسان هذا الاتصال الخاص بكيفية لا يدركها إلا من ذاقها وأوتيها.
ولقد جهد ناس من المفسرين المحدثين في إثبات الوحي عن طريق العلم للتقريب.ونحن لا نقر هذا المنهج من أساسه.فللعلم ميدان.هو الميدان الذي يملك أدواته.وللعلم آفاق هي الآفاق التي يملك أدوات كشفها ومراقبتها.والعلم لم يدع أنه يعرف شيئا حقيقيا عن الروح.فهي ليست داخلة في نطاق عمله،لأنها ليست شيئا قابلا للاختبار المادي الذي يملك العلم وسائله.لذلك تجنب العلم الملتزم