فهرس الكتاب

الصفحة 87 من 4997

والراحة،والحرص على الحياة نفسها في النهاية ..وهذا الانطلاق كسب للبشرية كلها،وكسب للأرواح التي تصل إليه عن طريق الاستعلاء.كسب يرجح جميع الآلام وجميع البأساء والضراء التي يعانيها المؤمنون،المؤتمنون على راية اللّه وأمانته ودينه وشريعته.وهذا الانطلاق هو المؤهل لحياة الجنة في نهاية المطاف ..وهذا هو الطريق ..هذا هو الطريق كما يصفه اللّه للجماعة المسلمة الأولى،وللجماعة المسلمة في كل جيل.هذا هو الطريق:إيمان وجهاد ..ومحنة وابتلاء.وصبر وثبات ..وتوجه إلى اللّه وحده.ثم يجيء النصر.ثم يجيء النعيم .. [1]

وقال رحمه الله:": « حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (110) » ."

إنها صورة رهيبة،ترسم مبلغ الشدة والكرب والضيق في حياة الرسل،وهم يواجهون الكفر والعمى والإصرار والجحود.وتمر الأيام وهم يدعون فلا يستجيب لهم إلا قليل،وتكر الأعوام والباطل في قوته،وكثرة أهله،والمؤمنون في عدتهم القليلة وقوتهم الضئيلة.

إنها ساعات حرجة،والباطل ينتفش ويطغى ويبطش ويغدر.والرسل ينتظرون الوعد فلا يتحقق لهم في هذه الأرض.فتهجس في خواطرهم الهواجس ..تراهم كذبوا؟ ترى نفوسهم كذبتهم في رجاء النصر في هذه الحياة الدنيا؟

وما يقف الرسول هذا الموقف إلا وقد بلغ الكرب والحرج والضيق فوق ما يطيقه بشر.وما قرأت هذه الآية والآية الأخرى: «أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ:مَتى نَصْرُ اللَّهِ؟ ...» ما قرأت هذه الآية أو تلك إلا وشعرت بقشعريرة من تصور الهول الذي يبلغ بالرسول هذا المبلغ،ومن تصور الهول الكامن في هذه الهواجس،والكرب المزلزل الذي يرج نفس الرسول هذه الرجة،وحالته النفسية في مثل هذه اللحظات،وما يحس به من ألم لا يطاق.

في هذه اللحظة التي يستحكم فيها الكرب،ويأخذ فيها الضيق بمخانق الرسل،ولا تبقى ذرة من الطاقة المدخرة ..في هذه اللحظة يجيء النصر كاملا حاسما فاصلا: «جاءَهُمْ نَصْرُنا،فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ،وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ» ..

تلك سنة اللّه في الدعوات.لا بد من الشدائد،ولا بد من الكروب،حتى لا تبقى بقية من جهد ولا بقية من طاقة.ثم يجيء النصر بعد اليأس من كل أسبابه الظاهرة التي يتعلق بها الناس.يجيء النصر من عند اللّه،فينجو الذين يستحقون النجاة،ينجون من الهلاك الذي يأخذ المكذبين،وينجون من البطش

(1) - في ظلال القرآن - دار الشروق ـ القاهرة [1 /218]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت