فهرس الكتاب

الصفحة 2417 من 4997

أنفسهم كما يعمل في الكون من حولهم والذي يحمل دلائل الإيمان وبراهين العقيدة فيبثها في كيانهم،أو يوقظها في فطرتهم بتعبير أدق.

وعلى هذا المنهج يسير،وهو يعرض عليهم آيات القدرة المبدعة في خلقهم هم أنفسهم.وفي زرعهم الذي تزاوله أيديهم.وفي الماء الذي يشربون.وفي النار التي يوقدون - وهي أبسط ما يقع تحت أبصارهم من مألوفات حياتهم - كذلك يصور لهم لحظة النهاية.نهاية الحياة على هذه الأرض وبدء الحياة في العالم الآخر.اللحظة التي يواجهها كل أحد،والتي تنتهي عندها كل حيلة،والتي تقف الأحياء وجها لوجه أمام القدرة المطلقة المتصرفة وقفة فاصلة،لا محاولة فيها ولا مجال! حيث تسقط جميع الأقنعة،وتبطل جميع التعلات.

إن طريقة القرآن في مخاطبة الفطرة البشرية تدل بذاتها على مصدره ..إنه المصدر الذي صدر منه الكون.

فطريقة بنائه هي طريقة بناء الكون.فمن أبسط المواد الكونية تنشأ أعقد الأشكال،وأضخم الخلائق ..الذرة يظن أنها مادة بناء الكون والخلية يظن أنها مادة بناء الحياة ..والذرة على صغرها معجزة في ذاتها والخلية على ضآلتها آية في ذاتها ..وهنا في القرآن يتخذ من أبسط المشاهدات المألوفة للبشر مادة لبناء أضخم عقيدة دينية وأوسع تصور كوني ..المشاهدات التي تدخل في تجارب كل إنسان:النسل.الزرع.والماء.والنار.والموت ..أي إنسان على ظهر هذه الأرض لم تدخل هذه المشاهدات في تجاربه؟ أي ساكن كهف لم يشهد نشأة حياة جنينية،ونشأة حياة نباتية.ومسقط ماء.وموقد نار.ولحظة وفاة؟ ..من هذه المشاهدات التي رآها كل إنسان ينشئ القرآن العقيدة،لأنه يخاطب كل إنسان في كل بيئة ..وهذه المشاهدات البسيطة الساذجة بذاتها هي أضخم الحقائق الكونية،وأعظم الأسرار الربانية فهي في بساطتها تخاطب فطرة كل إنسان وهي في حقيقتها موضوع دراسة أعلم العلماء إلى آخر الزمان.

ولسنا نملك المضي أبعد من هذا في بيان طبيعة «هذا القرآن» الدالة على مصدره.ففي هذا القدر كفاية لنعود إلى سياق السورة ..

وصدق اللّه العظيم: «وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ ...» .

«أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ؟ قُلْ:فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» .

ويضرب السياق عن المضي في الجدل بعد هذا التحدي،ليقرر أنهم لا يتبعون إلا الظن،فهم يحكمون على ما لم يعلموه.والحكم يجب أن يسبقه العلم،وألا يعتمد على مجرد الهوى أو مجرد الظن.والذي حكموا عليه هنا هو الوحي بالقرآن وصدق ما فيه من الوعد والوعيد.لقد كذبوا بهذا وليس لديهم من علم يقوم عليه التكذيب،ولما يأتهم تأويله الواقعي بوقوعه: «بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ،وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ» ..شأنهم في هذا شأن المكذبين من قبلهم،الظالمين المشركين بربهم.فليتأمل المتأمل كيف

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت