فهرس الكتاب

الصفحة 2416 من 4997

مكان وفي كل زمان ..وكل قلب وما فيه من نوايا وخواطر وماله من حركات وسكنات تحت عين اللّه،وهو مع هذا يستر ويغفر ..

«وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ» ..وإن آية واحدة من القرآن كهذه الآية لمما يوحي بأن هذا القرآن ليس من قول البشر.فمثل هذا الخاطر الكوني لا يخطر بطبيعته على قلب بشر.ومثل هذا التصور الكوني لا دافع إليه من طبيعة تصور البشر،ومثل هذه الإحاطة باللمسة الواحدة تتجلى فيها صنعة اللّه بارئ هذا الوجود التي لا تشبهها صنعة العبيد!

كذلك يبدو الطابع الإلهي في هذا القرآن في طريقة استدلاله بأشياء وأحداث مثيرة صغيرة في ظاهرها وهي ذات حقيقة ضخمة تناسب الموضوع الضخم الذي يستدل بها عليه ..كما يبدو في قوله تعالى:« نَحْنُ خَلَقْناكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ! أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ؟ أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ؟ نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ.عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ.وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى،فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ!

«أَفَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ؟ أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ؟ لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا،فَلَوْلا تَشْكُرُونَ! «أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ؟ أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ؟ نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً وَمَتاعًا لِلْمُقْوِينَ.«فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ» .

إن هذا القرآن يجعل من مألوفات البشر وحوادثهم المكرورة،قضايا كونية كبرى يكشف فيها عن النواميس الإلهية في الوجود،وينشئ بها عقيدة ضخمة شاملة وتصورا كاملا لهذا الوجود،كما يجعل منها منهجا للنظر والتفكير،وحياة للأرواح والقلوب،ويقظة في المشاعر والحواس.يقظة لظواهر هذا الوجود التي تطالع الناس صباح مساء وهم غافلون عنها،ويقظة لأنفسهم وما يجري من العجائب والخوارق فيها! إنه لا يكل الناس إلى الحوادث الفذة الخارقة والمعجزات الخاصة المعدودة.كذلك لا يكلفهم أن يبحثوا عن الخوارق والمعجزات والآيات والدلائل بعيدا عن أنفسهم،ولا عن مألوف حياتهم،ولا عن الظواهر الكونية القريبة منهم المعروفة لهم ..إنه لا يبعد بهم في فلسفات معقدة،أو مشكلات عقلية عويصة،أو تجارب علمية لا يملكها كل أحد ..لكي ينشئ في نفوسهم عقيدة،وتصورا للكون والحياة قائما على هذه العقيدة.

إن أنفسهم من صنع اللّه وظواهر الكون حولهم من إبداع قدرته.والمعجزة كامنة في كل ما تبدعه يده.

وهذا القرآن قرآنه.ومن ثم يأخذهم إلى هذه المعجزات الكامنة فيهم،والمبثوثة في الكون من حولهم.يأخذهم إلى هذه الخوارق المألوفة لهم،التي يرونها ولا يحسون حقيقة الإعجاز فيها.لأنهم لطول ألفتهم بها غفلوا عن مواضع الإعجاز فيها.يأخذهم إليها ليفتح عيونهم عليها،فتطلع على السر الهائل المكنون فيها.سر القدرة المبدعة،وسر الوحدانية المفردة،وسر الناموس الأزلي الذي يعمل في كيانهم هم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت