الإسلام هو «الدين» الذي لا يقبل اللّه من الناس غيره،لأنه هو الذي يتفق مع وحدانية اللّه ومقتضيات هذه الوحدانية.
إن التوحيد المطلق للّه سبحانه يقتضي توحيد دينه الذي أرسل به الرسل للبشر،وتوحيد رسله الذين حملوا هذه الأمانة للناس ..وكل كفر بوحدة الرسل أو وحدة الرسالة هو كفر بوحدانية اللّه في الحقيقة وسوء تصور لمقتضيات هذه الوحدانية.فدين اللّه للبشر ومنهجه للناس،هو هولا يتغير في أساسه كما أنه لا يتغير في مصدره.لذلك عبر السياق هنا عمن يريدون التفرقة بين اللّه ورسله (بأن يؤمنوا باللّه ويكفروا بالرسل) وعمن يريدون التفرقة بين الرسل (بأن يؤمنوا ببعضهم ويكفروا ببعضهم) عبر عن هؤلاء وهؤلاء بأنهم «الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ» ،وعد تفرقتهم بين اللّه ورسله،وتفرقتهم بين بعض رسله وبعض،كفرا باللّه وبرسله.
إن الإيمان وحدة لا تتجزأ ..الإيمان باللّه إيمان بوحدانيته - سبحانه - ووحدانيته تقتضي وحدة الدين الذي ارتضاه للناس لتقوم حياتهم كلها - كوحدة - على أساسه.ويقتضي وحدة الرسل الذين جاءوا بهذا الدين من عنده - لا من عند أنفسهم ولا في معزل عن إرادته ووحيه - ووحدة الموقف تجاههم جميعا ..ولا سبيل إلى تفكيك هذه الوحدة.إلا بالكفر المطلق وإن حسب أهله أنهم يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض! وكان جزاؤهم عند اللّه أن أعد لهم العذاب المهين ..أجمعين ..
«أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا،وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا» ..أما «المسلمون» فهم الذين يشتمل تصورهم الاعتقادي على الإيمان باللّه ورسله جميعا بلا تفرقة.فكل الرسل عندهم موضع اعتقاد واحترام وكل الديانات السماوية عندهم حق - ما لم يقع فيها التحريف فلا تكون عندئذ من دين اللّه،وإن بقي فيها جانب لم يحرف،إذ أن الدين وحدة - وهم يتصورون الأمر - كما هو في حقيقته:إلها واحدا،ارتضى للناس دينا واحدا ووضع لحياتهم منهجا واحدا،وأرسل رسله إلى الناس بهذا الدين الواحد وهذا المنهج الواحد.وموكب الإيمان - في حسهم - موصول،يقوده نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد وإخوانهم من الرسل - صلوات اللّه وسلامه عليهم جميعا - ونسبهم هم إلى هذا الموكب الموصول عريق وهم حملة هذه الأمانة الكبرى،وهم ورثة هذا الخير الموصول على طول الطريق المبارك ..لا تفرقة ولا عزلة ولا انفصام ..وإليهم وحدهم انتهى ميراث الدين الحق.
وليس وراء ما عندهم إلا الباطل والضلال.وهذا هو «الإسلام» الذي لا يقبل اللّه غيره من أحد.وهؤلاء هم «المسلمون» الذين يستحقون الأجر من اللّه على ما عملوا،ويستحقون منه المغفرة والرحمة فيما قصروا فيه: «أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ،وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا» ..
والإسلام إنما يتشدد هذا التشدد في توحيد العقيدة في اللّه ورسله،لأن هذا التوحيد هو الأساس اللائق بتصور المؤمن لإلهه - سبحانه - كما أنه هو الأساس اللائق بوجود منظم،غير متروك للتعدد والتصادم.ولأنه هو العقيدة اللائقة بإنسان يرى وحدة الناموس في هذا الوجود أينما امتد بصره.ولأنه