«فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ» ..بهتن لطلعته،ودهشن. «وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ» ..وجرحن أيديهن بالسكاكين للدهشة المفاجئة. «وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ!» ..وهي كلمة تنزيه تقال في هذا الموضع تعبيرا عن الدهشة بصنع اللّه .. «ما هذا بَشَرًا إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ» [1] .
وهذه التعبيرات دليل - كما قلنا في تقديم السورة - على تسرب شيء من ديانات التوحيد في ذلك الزمان.
ورأت المرأة أنها انتصرت على نساء طبقتها،وأنهن لقين من طلعة يوسف الدهش والإعجاب والذهول.
فقالت قولة المرأة المنتصرة،التي لا تستحي أمام النساء من بنات جنسها وطبقتها والتي تفخر عليهن بأن هذا في متناول يدها وإن كان قد استعصى قياده مرة فهي تملك هذا القياد مرة أخرى: «قالَتْ:فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ» ..فانظرن ماذا لقيتن منه من البهر والدهش والإعجاب! «وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ» ..ولقد بهرني مثلكن فراودته عن نفسه فطلب الاعتصام - تريد أن تقول:إنه عانى في الاعتصام والتحرز من دعوتها وفتنتها! - ثم تظهر سيطرتها عليه أمامهن في تبجح المرأة من ذلك الوسط،لا ترى بأسا من الجهر بنزاوتها الأنثوية جاهرة مكشوفة في معرض النساء: «وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ» ! فهو الإصرار والتبجح والتهديد والإغراء الجديد في ظل التهديد.
ويسمع يوسف هذا القول في مجتمع النساء المبهورات،المبديات لمفاتنهن في مثل هذه المناسبات.ونفهم من السياق أنهن كن نساء مفتونات فاتنات في مواجهته وفي التعليق على هذا القول من ربة الدار فإذا هو يناجي ربه: «قالَ:رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ» ..ولم يقل:ما تدعوني إليه.فهن جميعا كن مشتركات في الدعوة.سواء بالقول أم بالحركات واللفتات ..
وإذا هو يستنجد ربه أن يصرف عنه محاولاتهن لإيقاعه في حبائلهن،خيفة أن يضعف في لحظة أمام الإغراء الدائم،فيقع فيما يخشاه على نفسه،ويدعو اللّه أن ينقذه منه: «وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ» ..وهي دعوة الإنسان العارف ببشريته.الذي لا يغتر بعصمته فيريد مزيدا من عناية اللّه وحياطته،يعاونه على ما يعترضه من فتنة وكيد وإغراء.
(1) - أتعب الرواة والمفسرون أنفسهم في وصف حسن يوسف الذي بهر النسوة وبهر امرأة العزيز. وتصور بعضهم أوصافا أقرب ما تكون إلى أوصاف النساء. وما بمثل هذه الأوصاف تبهر النساء! وإن للرجولة لجمالها الخاص في اكتمال الملامح الرجولية. وإن كان هناك احتمال آخر وهو أن نساء تلك الطبقة كثيرا ما تنحرف فطرتهن فتعجبهن في الرجل ملامح وتقاطيع مما يحسب جميلا في النساء. ويغفلن عن غيرها مما يوجد في الرجل من سمات الرجال!- السيد ( السيد رحمه الله )
قلت:ورد من روايات صحيحة عديدة أن يُوسُفَ - صلى الله عليه وسلم - قَدْ أُعْطِىَ شَطْرَ الْحُسْنِ"فالأخذ بها هو المتعين:انظرها في المسند الجامع [2 /919] (1401) وتفسير ابن كثير - دار طيبة [4 /285] "