قَبْلِهِمْ.فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ؟ وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ،وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ.فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ» ..
إنهم يحيلون شركهم وعبادتهم آلهة من دون اللّه هم وآباؤهم،وأوهام الوثنية التي يزاولونها من تحريمهم لبعض الذبائح وبعض الأطعمة على أنفسهم بغير شريعة من اللّه ..إنهم يحيلون هذا كله على إرادة اللّه ومشيئته.فلو شاء اللّه - في زعمهم - ألا يفعلوا شيئا من هذا لمنعهم من فعله.
وهذا وهم وخطأ في فهم معنى المشيئة الإلهية.وتجريد للإنسان من أهم خصائصه التي وهبها له اللّه لاستخدامها في الحياة.
فاللّه سبحانه لا يريد لعباده الشرك،ولا يرضى لهم أن يحرموا ما أحله لهم من الطيبات.وإرادته هذه ظاهرة منصوص عليها في شرائعه،على ألسنة الرسل الذين كلفوا التبليغ وحده فقاموا به وأدوه: «وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ» فهذا أمره وهذه إرادته لعباده.واللّه - تعالى - لا يأمر الناس بأمر يعلم أنه منعهم خلقة من القدرة عليه،أو دفعهم قسرا إلى مخالفته.وآية عدم رضاه عن مخالفة أمره هذا ما أخذ به المكذبين «فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ» .
إنما شاءت إرادة الخالق الحكيم أن يخلق البشر باستعداد للهدى وللضلال،وأن يدع مشيئتهم حرة في اختيار أي الطريقين ومنحهم بعد ذلك العقل يرجحون به أحد الاتجاهين،بعد ما بث في الكون من آيات الهدى ما يلمس العين والأذن والحس والقلب والعقل حيثما اتجهت آناء الليل وأطراف النهار ..ثم شاءت رحمة اللّه بعباده بعد هذا كله ألا يدعهم لهذا العقل وحده،فوضع لهذا العقل ميزانا ثابتا في شرائعه التي جاءت بها رسله،يثوب إليه العقل كلما غم عليه الأمر،ليتأكد من صواب تقديره أو خطئه عن طريق الميزان الثابت الذي لا تعصف به الأهواء.ولم يجعل الرسل جبارين يلوون أعناق الناس إلى الإيمان،ولكن مبلغين ليس عليهم إلا البلاغ،يأمرون بعبادة اللّه وحده واجتناب كل ما عداه من وثنية وهوى وشهوة وسلطان: «وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ» ..ففريق استجاب: «فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ» وفريق شرد في طريق الضلال «وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ» ..
وهذا الفريق وذلك كلاهما لم يخرج على مشيئة اللّه،وكلاهما لم يقسره اللّه قسرا على هدى أو ضلال،إنما سلك طريقه الذي شاءت إرادة اللّه أن تجعل إرادته حرة في سلوكه،بعد ما زودته بمعالم الطريق في نفسه وفي الآفاق.
كذلك ينفي القرآن الكريم بهذا النص وهم الإجبار الذي لوح به المشركون،والذي يستند إليه كثير من العصاة والمنحرفين.والعقيدة الإسلامية عقيدة ناصعة واضحة في هذه النقطة.فاللّه يأمر عباده بالخير وينهاهم عن الشر،ويعاقب المذنبين أحيانا في الدنيا عقوبات ظاهرة يتضح فيها غضبه عليهم.فلا مجال