ثم يجيء الإيقاع الأخير،في نداء اللّه للذين آمنوا،وتلخيص أعباء المنهج،وشرط الطريق: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا،وَصابِرُوا،وَرابِطُوا،وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ» ..
إنه النداء العلوي للذين آمنوا.نداؤهم بالصفة التي تربطهم بمصدر النداء.والتي تلقي عليهم هذه الأعباء.
والتي تؤهلهم للنداء وتؤهلهم للأعباء،وتكرمهم في الأرض كما تكرمهم في السماء: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا» .النداء لهم.للصبر والمصابرة،والمرابطة،والتقوى ..
وسياق السورة حافل بذكر الصبر وبذكر التقوى ..يذكران مفردين،ويذكران مجتمعين ..وسياق السورة حافل كذلك بالدعوة إلى الاحتمال والمجاهدة ودفع الكيد وعدم الاستماع لدعاة الهزيمة والبلبلة،ومن ثم تختم السورة بالدعوة إلى الصبر والمصابرة،وإلى المرابطة والتقوى،فيكون هذا أنسب ختام.
والصبر هو زاد الطريق في هذه الدعوة.إنه طريق طويل شاق،حافل بالعقبات والأشواك،مفروش بالدماء والأشلاء،وبالإيذاء والابتلاء ..الصبر على أشياء كثيرة:الصبر على شهوات النفس ورغائبها،وأطماعها ومطامحها،وضعفها ونقصها،وعجلتها وملالها من قريب! والصبر على شهوات الناس ونقصهم وضعفهم وجهلهم وسوء تصورهم،وانحراف طباعهم،وأثرتهم،وغرورهم،والتوائهم،واستعجالهم للثمار! والصبر على تنفج الباطل،ووقاحة الطغيان،وانتفاش الشر،وغلبة الشهوة،وتصعير الغرور والخيلاء!
والصبر على قلة الناصر،وضعف المعين،وطول الطريق،ووساوس الشيطان في ساعات الكرب والضيق!
والصبر على مرارة الجهاد لهذا كله،وما تثيره في النفس من انفعالات متنوعة.من الألم والغيظ،والحنق،والضيق،وضعف الثقة أحيانا في الخير،وقلة الرجاء أحيانا في الفطرة البشرية والملل والسأم واليأس أحيانا والقنوط!
والصبر بعد ذلك كله على ضبط النفس في ساعة القدرة والانتصار والغلبة،واستقبال الرخاء في تواضع وشكر،وبدون خيلاء وبدون اندفاع إلى الانتقام،وتجاوز القصاص الحق إلى الاعتداء!
والبقاء في السراء والضراء على صلة باللّه،واستسلام لقدره،ورد الأمر إليه كله في طمأنينة وثقة وخشوع ..
والصبر على هذا كله - وعلى مثله - مما يصادف السالك في هذا الطريق الطويل ..لا تصوره حقيقة الكلمات.
فالكلمات لا تنقل المدلول الحقيقي لهذه المعاناة.إنما يدرك هذا المدلول من عانى مشقات الطريق وتذوقها انفعالات وتجارب ومرارات!