تعالى:ولو كشفنا عنكم العذاب ورجعناكم إلى الدار الدنيا لعدتم إلى ما كنتم فيه من الكفر والتكذيب.كقوله تعالى: «وَلَوْ رَحِمْناهُمْ وَكَشَفْنا ما بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ» ..وكقوله جلت عظمته: «وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ» ..
والثاني:أن يكون المراد:إنا مؤخر والعذاب عنكم قليلا بعد انعقاد أسبابه،ووصوله إليكم،وأنتم مستمرون فيما أنتم فيه من الطغيان والضلال.ولا يلزم من الكشف عنهم أن يكون باشرهم.كقوله تعالى: «إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ» ..ولم يكن العذاب باشرهم واتصل بهم،بل كان قد انعقد سببه عليهم ..وقال قتادة:إنكم عائدون إلى عذاب اللّه ..وقوله عز وجل: «يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ» ..فسر ذلك ابن مسعود - رضي اللّه عنه - بيوم بدر.وهذا قول جماعة ممن وافق ابن مسعود.رضي اللّه عنه،وجماعة عنه على تفسير الدخان بما تقدم وروي أيضا عن ابن عباس - رضي اللّه عنهما - من رواية العوفي عنه وأبي بن كعب - رضي اللّه عنه - وهو محتمل:والظاهر أن ذلك يوم القيامة.
وإن كان يوم بدر يوم بطشة أيضا.
عن عكرمة،قال:قال ابن عباس:قال ابن مسعود:البطشة الكبرى:يوم بدر،وأنا أقول:هي يوم القيامة [1] ..وهذا إسناد صحيح عنه.وبه يقول الحسن البصري وعكرمة في أصح الروايتين عنه،واللّه أعلم) [2] ..
ونحن نختار قول ابن عباس - رضي اللّه عنهما - في تفسير الدخان بأنه عند يوم القيامة،وقول ابن كثير في تفسيره.فهو تهديد له نظائره الكثيرة في القرآن الكريم،في مثل هذه المناسبة.ومعناه:إنهم يشكون ويلعبون.
فدعهم وارتقب ذلك اليوم المرهوب.يوم تأتي السماء بدخان مبين يغشى الناس.ووصف هذا بأنه عذاب أليم.وصور استغاثتهم: «رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ» ..ورده عليهم باستحالة الاستجابة،فقد مضى وقتها: «أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى وَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ.ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ» ..يعلمه ذلك الغلام الأعجمي! وهو - كما زعموا - مجنون ..
وفي ظل هذا المشهد الذي يرجون فيه كشف العذاب فلا يجابون يقول لهم:إن أمامكم فرصة بعد لم تضع،فهذا العذاب مؤخر عنكم قليلا وأنتم الآن في الدنيا.وهو مكشوف عنكم الآن فآمنوا كما تعدون أن تؤمنوا في الآخرة فلا تجابون.وأنتم الآن في عافية لن تدوم.فإنكم عائدون إلينا «يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى » ..
(1) -تفسير الطبري-مؤسسة الرسالة [22 /23] صحيح
(2) -تفسير ابن كثير-دار طيبة [7 /251]