به أن يسطوا عليه وأن يرجموه.فإن استعصوا على الإيمان فهو يفاصلهم ويعتزلهم ويطلب إليهم أن يفاصلوه ويعتزلوه.وذلك منتهى النصفة والعدل والمسالمة.
ولكن الطغيان قلما يقبل النصفة،فهو يخشى الحق أن يظل طليقا،يحاول أن يصل إلى الناس في سلام وهدوء.ومن ثم يحارب الحق بالبطش.ولا يسالمه أبدا.فمعنى المسالمة أن يزحف الحق ويستولي في كل يوم على النفوس والقلوب.ومن ثم يبطش الباطل ويرجم ولا يعتزل الحق ولا يدعه يسلم أو يستريح! ويختصر السياق هنا حلقات كثيرة من القصة،ليصل إلى قرب النهاية.حين وصلت التجربة إلى نهايتها وأحس موسى أن القوم لن يؤمنوا له ولن يستجيبوا لدعوته ولن يسالموه أو يعتزلوه.وبدا له إجرامهم أصيلا عميقا لا أمل في تخليهم عنه.عند ذلك لجأ إلى ربه وملاذه الأخير: «فَدَعا رَبَّهُ أَنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ» ..وماذا يملك الرسول إلا أن يعود إلى ربه بالحصيلة التي جنتها يداه؟ وإلا أن ينفض أمره بين يديه،ويدع له التصرف بما يريد؟ وتلقى موسى الإجابة إقرارا من ربه لما دمغ به القوم ..حقا إنهم مجرمون .. «فَأَسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ.وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ» .والسرى لا يكون إلا ليلا،فالنص عليه يعيد تصوير المشهد،مشهد السرى بعباد اللّه - وهم بنو إسرائيل.ثم للإيحاء بجو الخفية،لأن سراهم كان خفية عن عيون فرعون ومن وراء علمه.والرهو:الساكن.وقد أمر اللّه موسى - عليه السّلام - أن يمر هو وقومه وأن يدع البحر وراءه ساكنا على هيئته التي مر هو وقومه فيها،لإغراء فرعون وجنده باتباعهم،ليتم قدر اللّه بهم كما أراده: «إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ» ..فهكذا ينفذ قدر اللّه من خلال الأسباب الظاهرة.والأسباب ذاتها طرف من هذا القدر المحتوم.ويختصر السياق حكاية مشهد الغرق أو عرضه،اكتفاء بالكلمة النافذة التي لا بد أن تكون: «إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ» ..
ويمضي من هذا المشهد المضمر إلى التعقيب عليه تعقيبا يشي بهوان فرعون الطاغية المتعالي وملئه الممالئ له على الظلم والطغيان.هوانه وهوانهم على اللّه،وعلى هذا الوجود الذي كان يشمخ فيه بأنفه،فيطأطئ له الملأ المفتونون به وهو أضأل وأزهد من أن يحس به الوجود،وهو يسلب النعمة فلا يمنعها من الزوال،ولا يرثي له أحد على سوء المآل: « كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ.وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ.وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ.كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْمًا آخَرِينَ.فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرِينَ» ..
ويبدأ المشهد بصور النعيم الذي كانوا فيه يرفلون ..جنات.وعيون.وزروع.ومكان مرموق،ينالون فيه الاحترام والتكريم.ونعمة يلتذونها ويطعمونها ويعيشون فيها مسرورين محبورين.
ثم ينزع هذا كله منهم أو ينزعون منه.ويرثه قوم آخرون - وفي موضع آخر قال: «كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ» - وبنو إسرائيل لم يرثوا ملك فرعون بالذات.ولكنهم ورثوا ملكا مثله في الأرض الأخرى.فالمقصود إذن هو نوع الملك والنعمة.الذي زال عن فرعون وملئه،وورثه بنو إسرائيل! ثم