فهرس الكتاب

الصفحة 4584 من 4997

هامِدَةً،فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ» ..وفي سورة «المؤمنون» يذكر أطوار النشأة الجنينية قريبا مما ذكرت في سورة الحج ويجيء بعدها: «فَأَنْشَأْنا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ» ..وهكذا.

وهي ظاهرة تستدعي النظر ولا ريب.فهي توحي بالوحدة بين أصول الحياة على وجه الأرض،وأن نشأة الإنسان من الأرض كنشأة النبات.من عناصرها الأولية يتكون.ومن عناصرها الأولية يتغذى وينمو،فهو نبات من نباتها.وهبه اللّه هذا اللون من الحياة كما وهب النبات ذلك اللون من الحياة.وكلاهما من نتاج الأرض،وكلاهما يرضع من هذه الأم! وكذلك ينشئ الإيمان في المؤمن تصورا حقيقيا حيا لعلاقته بالأرض وبالأحياء.تصورا فيه دقة العلم وفيه حيوية الشعور.لأنه قائم على الحقيقة الحية في الضمير.وهذه ميزة المعرفة القرآنية الفريدة.

والناس الذين نبتوا من الأرض يعودون إلى جوفها مرة أخرى.يعيدهم اللّه إليها كما أنبتهم منها.فيختلط رفاتهم بتربتها،وتندمج ذراتهم في ذراتها،كما كانوا فيها من قبل أن ينبتوا منها! ثم يخرجهم الذي أول مرة وينبتهم كما أنبتهم أول مرة ..مسألة سهلة يسيرة لا تستدعي التوقف عندها لحظة،حين ينظر الإنسان إليها من هذه الزاوية التي يعرضها القرآن منها! ونوح - عليه السلام - وجه قومه إلى هذه الحقيقة لتستشعر قلوبهم يد اللّه وهي تنبتهم من هذه الأرض نباتا،وهي تعيدهم فيها مرة أخرى.ثم تتوقع النشأة الأخرى وتحسب حسابها،وهي كائنة بهذا اليسر وبهذه البساطة.

بساطة البداهة التي لا تقبل جدلا! وأخيرا وجه نوح قلوب قومه إلى نعمة اللّه عليهم في تيسير الحياة لهم على هذه الأرض وتذليلها لسيرهم ومعاشهم وانتقالهم وطرائق حياتهم: «وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطًا،لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلًا فِجاجًا» ..

وهذه الحقيقة القريبة من مشاهدتهم وإدراكهم تواجههم مواجهة كاملة،ولا يملكون الفرار منها كما كانوا يفرون من صوت نوح وإنذاره.فهذه الأرض بالقياس إليهم مبسوطة ممهدة - حتى جبالها قد جعل لهم عبرها دروبا وفجاجا،كما جعل في سهولها من باب أولى.وفي سبلها ودروبها يمشون ويركبون وينتقلون ويبتغون من فضل اللّه،ويتعايشون في يسر وتبادل للمنافع والأرزاق.

وهم كانوا يدركون هذه الحقيقة المشاهدة لهم بدون حاجة إلى دراسات علمية عويصة،يدرسون بها النواميس التي تحكم وجودهم على هذه الأرض،وتيسر لهم الحياة فيها.وكلما زاد الإنسان علما أدرك من هذه الحقيقة جوانب جديدة وآفاقا بعيدة [1] .

هكذا سلك نوح - أو حاول أن يسلك - إلى آذان قومه وقلوبهم وعقولهم بشتى الأساليب،ومتنوع الوسائل في دأب طويل،وفي صبر جميل،وفي جهد نبيل،ألف سنة إلا خمسين عاما.ثم عاد إلى ربه الذي

(1) - تراجع سورة الملك عند قوله تعالى:«هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ. ص 3637 - 3640. ( السيد رحمه الله )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت