فهرس الكتاب

الصفحة 3364 من 4997

والآخرة غيب.ولا يعلم الغيب إلا اللّه.وهم كانوا يطلبون تحديد موعدها أو يكذبوا بالنذر،ويحسبوها أساطير،سبق تكرارها ولم تحقق أبدا! فهنا يقرر أن الغيب من أمر اللّه،وأن علمهم عن الآخرة منته محدود: «قُلْ:لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ،وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ.بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ،بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها،بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ» ..

ولقد وقف الإنسان منذ بدء الخليقة أمام ستر الغيب المحجوب،لا ينفذ إليه علمه،ولا يعرف مما وراء الستر المسدل،إلا بقدر ما يكشف له منه علام الغيوب.وكان الخير في هذا الذي أراده اللّه،فلو علم اللّه أن في كشف هذا الستر المسبل خيرا لكشفه للإنسان المتطلع الشديد التطلع إلى ما وراءه! لقد منح اللّه هذا الإنسان من المواهب والاستعدادات والقوى والطاقات ما يحقق به الخلافة في الأرض،وما ينهض به بهذا التكليف الضخم ..ولا زيادة ..وانكشاف ستر الغيب له ليس مما يعينه في هذه المهمة.بل إن انطباق أهدابه دونه لما يثير تطلعه إلى المعرفة،فينقب ويبحث.وفي الطريق يخرج المخبوء في باطن الأرض،وجوف البحر،وأقطار الفضاء ويهتدي إلى نواميس الكون والقوى الكامنة فيه،والأسرار المودعة في كيانه لخير البشر،ويحلل في مادة الأرض ويركب،ويعدل في تكوينها وأشكالها،ويبتدع في أنماط الحياة ونماذجها ..حتى يؤدي دوره كاملا في عمارة هذه الأرض،ويحقق وعد اللّه بخلافة هذا المخلوق الإنساني فيها.وليس الإنسان وحده هو المحجوب عن غيب اللّه،ولكن كل من في السماوات والأرض من خلق اللّه.من ملائكة وجن غيرهم ممن علمهم عند اللّه.فكلهم موكلون بأمور لا تستدعي انكشاف ستر الغيب لهم،فيبقي سره عند اللّه دون سواه.

«قُلْ:لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ» ..وهو نص قاطع لا تبقى بعده دعوى لمدع،ولا يبقى معه مجال للوهم والخرافة.

وبعد هذا التعميم في أمر الغيب يخصص في أمر الآخرة لأنها القضية التي عليها النزاع مع المشركين بعد قضية التوحيد: «وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ» ..ينفي عنهم العلم بموعد البعث في أغمض صوره وهو الشعور.فهم لا يعلمون بهذا الموعد يقينا،ولا يشعرون به حين يقترب شعورا.فذلك من الغيب الذي يقرر أن لا أحد يعلمه في السماوات ولا في الأرض ..ثم يضرب عن هذا ليتحدث في موقفهم هم من الآخرة،ومدى علمهم بحقيقتها: «بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ» ..فانتهى إلى حدوده،وقصر عن الوصول إليها،ووقف دونها لا يبلغها. «بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها» ..لا يستيقنون بمجيئها،بله أن يعرفوا موعدها،وينتظروا وقوعها. «بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ» ..بل هم عنها في عمى،لا يبصرون من أمرها شيئا،ولا يدركون من طبيعتها شيئا ..وهذه أشد بعدا عن الثانية وعن الأولى: «وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا:أَإِذا كُنَّا تُرابًا وَآباؤُنا أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ؟» ..

وهذه كانت العقدة التي يقف أمامها الذين كفروا دائما:أإذا فارقتنا الحياة،ورمت أجسادنا وتناثرت في القبور،وصارت ترابا ..أإذا وقع هذا كله - وهو يقع للموتى بعد فترة من دفنهم إلا في حالات

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت