فهرس الكتاب

الصفحة 3365 من 4997

نادرة شاذة - أإذا وقع هذا لنا ولآبائنا الذين ماتوا قبلنا يمكن أن نبعث أحياء كرة أخرى،وأن تخرج من الأرض التي اختلط رفاتنا بترابها فصار ترابا؟

يقولون هذا وتقف هذه الصورة المادية بينهم وبين تصور الحياة الأخرى.وينسون أنهم خلقوا أول مرة ولم يكونوا من قبل شيئا.ولا يدري أحد أين كانت الخلايا والذرات التي تكونت منها هياكلهم الأولى.فلقد كانت مفرقة في أطواء الأرض وأعماق البحار وأجواز الفضاء،فمنها ما جاء من تربة الأرض،ومنها ما جاء من عناصر الهواء والماء،ومنها ما قدم من الشمس البعيدة،ومنها ما تنفسه إنسان أو نبات أو حيوان،ومنها ما انبعث من جسد رمّ وتبخرت بعض عناصره في الهواء! ..ثمّ تمثلت هذه الخلايا والذرات في طعام يأكلونه،وشراب يشربونه،وهواء يتنفسونه،وشعاع يستدفئون به ..ثم إذا هذا الشتيت الذي لا يعلم عدده إلا اللّه،ولا يحصي مصادره إلا اللّه،يتجمع في هيكل إنسان وهو ينمو من بويضة عالقة في رحم،حتى يصير جسدا مسجى في كفن ..فهؤلاء في خلقتهم أول مرة،فهل عجب أن يكونوا كذلك أو على نحو آخر في المرة الآخرة!

ولكنهم كانوا هكذا يقولون.وبعضهم ما يزال يقوله اليوم مع شيء من الاختلاف ! هكذا كانوا يقولون.ثم يتبعون هذه القولة الجاهلة المطموسة بالتهكم والاستنكار: «لَقَدْ وُعِدْنا هذا نَحْنُ وَآباؤُنا مِنْ قَبْلُ.إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ» .

فهم كانوا يعرفون أن الرسل من قبل قد أنذروا آباءهم بالبعث والنشور.مما يدل على أن العرب لم تكن أذهانهم خالية من العقيدة،ولا غفلا من معانيها.إنما كانوا يرون أن الوعود لم تتحقق منذ بعيد فيبنون على هذا استهتارهم بالوعد الجديد قائلين:إنها أساطير الأولين يرويها محمد - صلى الله عليه وسلم - غافلين أن للساعة موعدها الذي لا يتقدم لاستعجال البشر ولا يتأخر لرجائهم،إنما يجيء في الوقت المعلوم للّه،المجهول للعباد في السماوات والأرض سواء.ولقد قال رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - لجبريل - عليه السّلام - وهو يسأله عن الساعة:فَقَالَ:يَا رَسُولَ اللهِ،عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ [1] .

وهنا يلمس قلوبهم بتوجيهها إلى مصارع الذين كذبوا قبلهم بالوعيد ويسميهم المجرمين: «قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ» .وفي هذا التوجيه توسيع لآفاق تفكيرهم،فالجيل من البشر ليس مقطوعا من شجرة البشرية وهو محكوم بالسنن المتحكمة فيها وما حدث للمجرمين من قبل يحدث للمجرمين من بعد فإن السنن لا تحيد ولا تحابي.

والسير في الأرض يطلع النفوس على مثل وسير وأحوال فيها عبرة،وفيها تفتيح لنوافذ مضيئة.وفيها لمسات للقلوب قد توقظها وتحييها.والقرآن يوجه الناس إلى البحث عن السنن المطردة،وتدبر خطواتها وحلقاتها،ليعيشوا حياة متصلة الأوشاج متسعة الآفاق،غير متحجرة ولا مغلقة ولا ضيقة ولا منقطعة.

(1) - أخرجه الجماعة المسند الجامع [16 /793] (12629)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت