فهرس الكتاب

الصفحة 3366 من 4997

وبعد أن يوجههم هذا التوجيه يأمر رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن ينفض يديه من أمرهم،ويدعهم لمصيرهم،الذي وجههم إلى نظائره،وألا يضيق صدره بمكرهم،فإنهم لن يضروه شيئا،وألا يحزن عليهم فقد أدى واجبه تجاههم وأبلغهم وبصرهم. «وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ.وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ» ..وهذا النص يصور حساسية قلبه - صلى الله عليه وسلم - وحزنه على مصير قومه الذي يعلمه من مصائر المكذبين قبلهم،ويدل كذلك على شدة مكرهم به وبالدعوة وبالمسلمين حتى ليضيق صدره الرحب الكبير.

ثم يمضي في سرد مقولاتهم عن قضية البعث،واستهانتهم بالوعيد بالعذاب في الدنيا أو في الآخرة: «وَيَقُولُونَ:مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» ..كانوا يقولون هذا كلما خوفوا بمصائر المجرمين قبلهم،ومصارعهم التي يمرون عليها مصبحين كقرى لوط،وآثار ثمود في الحجر،وآثار عاد في الأحقاف،ومساكن سبأ بعد سيل العرم ..كانوا يقولون مستهزئين: «مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» متى هذا العذاب الذي تخوفوننا به؟ إن كنتم صادقين فهاتوه،أو خبرونا بموعده على التحديد! وهنا يجيء الرد يلقي ظلال الهول المتربص،وظلال التهكم المنذر في كلمات قصار:

«قُلْ:عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ» ..بذلك يثير في قلوبهم الخوف والقلق من شبح العذاب.فقد يكون وراءهم - رديفا لهم كما يكون الرديف وراء الراكب فوق الدابة - وهم لا يشعرون.وهم في غفلتهم يستعجلون به وهو خلف رديف! فيالها من مفاجأة ترتعش لها الأوصال.وهم يستهزئون ويستهترون! ومن يدري.إن الغيب لمحجوب.وإن الستار لمسبل.فما يدري أحد ما وراءه.وقد يكون على قيد خطوات ما يذهل وما يهول! إنما العاقل من يحذر،ومن يتهيأ ويستعد في كل لحظة لما وراء الستر المسدول!

«وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ،وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ» ..وإن فضله ليتجلى في إمهالهم وتأخير العذاب عنهم وهم مذنبون أو مقصرون،عسى أن يتوبوا إليه ويثوبوا إلى الطريق المستقيم. «وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ» على هذا الفضل،إنما يستهزئون ويستعجلون،أو يسدرون في غيهم ولا يتدبرون. «وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ» ..وهو يمهلهم ويؤخر العذاب عنهم،مع علمه بما تكنه صدورهم وما تعلنه ألسنتهم وأفعالهم.فهو الإمهال عن علم،والإمهال عن فضل.وهم بعد ذلك محاسبون عما تكن صدورهم وما يعلنون.

ويختم هذه الجولة بتقرير علم اللّه الشامل الكامل،الذي لا تخفى عليه خافية في السماء ولا في الأرض: «وَما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ» ..

ويجول الفكر والخيال في السماء والأرض،وراء كل غائبة.من شيء، ومن سر،ومن قوة،ومن خبر،وهي مقيدة بعلم اللّه،لا تند منها شاردة،ولا تغيب منها غائبة.والتركيز في السورة كلها على العلم.والإشارات إليه كثيرة،وهذه واحدة منها تختم بها هذه الجولة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت