وتوجيهه،قاصد لما يقول،مريد لما يهدف إليه.وإنه لكذلك في صميمه.فيه روح.وفيه حياة.وفيه حركة.وله شخصية ذاتية مميزة.وفيه إيناس.وله صحبة يحس بها من يعيشون معه ويحيون في ظلاله،ويشعرون له بحنين وتجاوب كالتجاوب بين الحي والحي،وبين الصديق والصديق! هذا الكتاب الحكيم.أو آياته. «هُدىً وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ» فهذه حاله الأصلية الدائمة ..أن يكون هدى ورحمة للمحسنين.هدى يهديهم إلى الطريق الواصل الذي لا يضل سالكوه.ورحمة بما يسكبه الهدى في القلب من راحة وطمأنينة وقرار وما يقود إليه من كسب وخير وفلاح وبما يعقده من الصلات والروابط بين قلوب المهتدين به ثم بين هذه القلوب ونواميس الكون الذي تعيش فيه،والقيم والأحوال والأحداث التي تتعارف عليها القلوب المهتدية،وتتعارف الفطر التي لا تزيغ ..
والمحسنون هم: «الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ،وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ،وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ» ..وإقامة الصلاة وأداؤها على وجهها وفي وقتها أداء كاملا تتحقق به حكمتها وأثرها في الشعور والسلوك،وتنعقد به تلك الصلة الوثيقة بين القلب والرب،ويتم به هذا الأنس باللّه وتذوق حلاوته التي تعلق القلوب بالصلاة ..وإيتاء الزكاة يحقق استعلاء النفس على شحها الفطري،وإقامة نظام لحياة الجماعة يرتكن إلى التكافل والتعاون.ويجد الواجدون فيه والمحرومون الثقة والطمأنينة ومودات القلوب التي لم يفسدها الترف ولا الحرمان ..واليقين بالآخرة هو الضمان ليقظة القلب البشري،وتطلعه إلى ما عند اللّه،واستعلائه على أوهاق الأرض،وترفعه على متاع الحياة الدنيا ومراقبة اللّه في السر والعلن وفي الدقيق والجليل والوصول إلى درجة الإحسان التي سئل عنها رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - فقال: « الإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ » [1] ..
وهؤلاء المحسنون هم الذين يكون الكتاب لهم هدى ورحمة لأنهم بما في قلوبهم من تفتح وشفافية يجدون في صحبة هذا الكتاب راحة وطمأنينة ويتصلون بما في طبيعته من هدى ونور،ويدركون مراميه وأهدافه الحكيمة،وتصطلح نفوسهم عليه،وتحس بالتوافق والتناسق ووحدة الاتجاه،ووضوح الطريق.وإن هذا القرآن ليعطي كل قلب بمقدار ما في هذا القلب من حساسية وتفتح وإشراق وبقدر ما يقبل عليه في حب وتطلع وإعزاز.إنه كائن حي يعاطف القلوب الصديقة،ويجاوب المشاعر المتوجهة إليه بالرفرفة والحنين! وأولئك الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم يوقنون بالآخرة .. «أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ،وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» .ومن هدي فقد أفلح،فهو سائر على النور،واصل إلى الغاية،ناج من الضلال في الدنيا،ومن عواقب الضلال في الآخرة وهو مطمئن في رحلته على هذا الكوكب تتناسق خطاه مع دورة الأفلاك ونواميس الوجود فيحس بالأنس والراحة والتجاوب مع كل كائن في الوجود.
(1) -صحيح البخارى- المكنز [16 /12] (4777)