فهرس الكتاب

الصفحة 4229 من 4997

«أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى ؟» ..والغيب للّه.لا يراه أحد سواه.فلا يأمن الإنسان ما خبئ فيه وعليه أن يواصل عمله وبذله،وأن يعيش حذرا موفيا طوال حياته وألا يبذل ثم ينقطع،ولا ضمان له في الغيب المجهول إلا حذره وعمله ووفاؤه،ورجاؤه بهذا كله في مغفرة اللّه وقبوله.

«أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى،وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى ...» ..وهذا الدين قديم،موصولة أوائله وأواخره،ثابتة أصوله وقواعده،يصدّق بعضه بعضا على توالي الرسالات والرسل،وتباعد المكان والزمان.فهو في صحف موسى.وهو في ملة إبراهيم قبل موسى.إبراهيم الذي وفّى.

وفّى بكل شيء.وفّى وفاء مطلقا استحق به هذا الوصف المطلق.ويذكر الوفاء هنا في مقابل الإكداء والانقطاع،ويذكر بهذه الصيغة (وفّى) بالتشديد تنسيقا للإيقاع المنغم وللقافية المطردة.

فماذا في صحف موسى،وإبراهيم الذي وفّى؟ فيها: «أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى » ..فلا تحمل نفس حمل أخرى لا تخفيفا عن نفس ولا تثقيلا على أخرى.فلا تملك نفس أن تتخفف من حملها ووزرها.ولا تملك نفس أن تتطوع فتحمل عن نفس شيئا! «وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى » ..

كذلك.فما يحسب للإنسان إلا كسبه وسعيه وعمله.لا يزاد عليه شيء من عمل غيره.ولا ينقص منه شيء ليناله غيره.وهذه الحياة الدنيا هي الفرصة المعطاة له ليعمل ويسعى.فإذا مات ذهبت الفرصة وانقطع العمل.إلا ما نص عليه حديث رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلاَّ مِنْ ثَلاَثَةٍ إِلاَّ مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ » [1] ...

فهذه الثلاثة في الحقيقة هي من سعيه وكده وعمله، كما جاء في الحديث عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ:كَانَ فِي حُجْرِ عَمَّةٍ لِي ابْنٌ لَهَا يَتِيمٌ،وَكَانَ يَكْسِبُ،فَكَانَتْ تَحْرَجُ أَنْ تَأْكُلَ مِنْ كَسْبِهِ،فَسَأَلَتْ عَنْ ذَلِكَ عَائِشَةَ،فَقَالَتْ:قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -:إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ،وَإِنَّ وَلَدَ الرَّجُلِ مِنْ كَسْبِهِ [2] ..والصدقة الجارية كالوقف ونحوه هي من آثار عمله ووقفه، وقد قال تعالى: { إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُم } الآية [يس:12] .والعلم الذي نشره في الناس فاقتدى به الناس بعده هو أيضا من سعيه وعمله، وثبت في الصحيح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ،قَالَ:مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنَ الأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنِ اتَّبَعَهُ لا يُنْقِصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنِ اتَّبَعَهُ لا يُنْقِصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا. [3] .

قال ابن كثير:"ومن وهذه الآية الكريمة استنبط الشافعي، رحمه الله، ومن اتبعه أن القراءة لا يصل إهداء ثوابها إلى الموتى؛ لأنه ليس من عملهم ولا كسبهم؛ ولهذا لم يندب إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمته ولا"

(1) - صحيح مسلم- المكنز [11 /68] ( 4310 )

(2) - صحيح ابن حبان- ط2 مؤسسة الرسالة [10 /72] (4259) صحيح

(3) - مسند أبي عوانة مشكلا [3 /275] (4699 ) صحيح

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت