يتصرف في هذا المال إلا بإذنه ممثلا في شرعه. وشرعه ممثل فيما جاء به رسوله من عنده،لا فيما يدعي الأرباب المغتصبون لسلطان اللّه أنه شريعة اللّه! «وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ،وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ،وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ،مُتَشابِهًا وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ. كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ،وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ،وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ. وَمِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا. كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ،وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ،إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ» .
إن اللّه - سبحانه - هو الذي خلق هذه الجنات ابتداء - فهو الذي أخرج الحياة من الموات - وهذه الجنات منها الإنسيات المعروشات التي يتعهدها الإنسان بالعرائش والحوائط ومنها البريات التي تنبت بذاتها - بقدر اللّه - وتنمو بلا مساعدة من الإنسان ولا تنظيم. وإن اللّه هو الذي أنشأ النخل والزرع مختلف الألوان والطعوم والأشكال. وإن اللّه هو الذي خلق الزيتون والرمان،منوع الصنوف متشابها وغير متشابه،وإنه - سبحانه - هو الذي خلق هذه الأنعام وجعل منها «حمولة» عالية القوائم بعيدة عن الأرض حمالة للأثقال. وجعل منها «فرشا» صغيرة الأجسام قريبة من الأرض يتخذ من أصوافها وأشعارها الفرش ..
إنه هو - سبحانه - الذي بث الحياة في هذه الأرض ونوّعها هذا التنويع وجعلها مناسبة للوظائف التي تتطلبها حياة الناس في الأرض .. فكيف يذهب الناس - في مواجهة هذه الآيات وهذه الحقائق - إلى تحكيم غير اللّه في شأن الزروع والأنعام والأموال؟
إن المنهج القرآني يكثر من عرض حقيقة الرزق الذي يختص اللّه بمنحه للناس،ليتخذ منها برهانا على ضرورة إفراد اللّه سبحانه بالحاكمية في حياة الناس. فإن الخالق الرازق الكافل وحده هو الحقيق بأن تكون له الربوبية والحاكمية والسلطان وحده .. بلا جدال:
وهنا يحشد السياق مشاهد الزرع والإثمار،ومشاهد الأنعام وما فيها من نعم اللّه .. يحشد هذه المؤثرات في صدد قضية الحاكمية،كما حشدها من قبل في صدد قضية الألوهية .. فيدل على أن هذه وتلك قضية واحدة في العقيدة الإسلامية.
وعند ما يذكر الزروع والثمار يقول: «كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ وَلا تُسْرِفُوا،إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ» ..
والأمر بإيتاء حقه يوم حصاده هو الذي جعل بعض الروايات تقول عن هذه الآية إنها مدنية. وقد قلنا في التقديم للسورة:إن الآية مكية،لأن السياق في الجزء المكي من السورة لا يتصور تتابعه بدون هذه الآية. فإن ما بعدها ينقطع عما قبلها لو كانت قد تأخرت حتى نزلت في المدينة. وهذا الأمر بإيتاء حق الزرع يوم حصاده،لا يتحتم أن يكون المقصود به الزكاة. وهناك روايات في الآية أن المقصود هو الصدقة غير المحددة .. أما الزكاة بأنصبتها المحددة فقد حددتها السنة بعد ذلك في السنة الثانية من الهجرة ..