فهرس الكتاب
ولا يشيرون به إلا إذا أخذوه من ذلك المصدر الوحيد المستيقن ويحذر الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يطيع الناس في شيء يشيرون به عليه من عند أنفسهم مهما بلغت كثرتهم فالجاهلية هي الجاهلية مهما كثر أتباعها الضالون: «وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ. إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ،وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ» ..
ولقد كان أكثر من في الأرض - كما هو الحال اليوم بالضبط - من أهل الجاهلية .. لم يكونوا يجعلون اللّه هو الحكم في أمرهم كله،ولم يكونوا يجعلون شريعة اللّه التي في كتابه هي قانونهم كله. ولم يكونوا يستمدون تصوراتهم وأفكارهم،ومناهج تفكيرهم ومناهج حياتهم من هدى اللّه وتوجيهه .. ومن ثم كانوا - كما هو الحال اليوم - في ضلالة الجاهلية لا يملكون أن يشيروا برأي ولا بقول ولا بحكم يستند على الحق ويستمد منه ولا يقودون من يطيعهم ويتبعهم إلا إلى الضلال .. كانوا - كما هم اليوم - يتركون العلم المستيقن ويتبعون الظن والحدس .. والظن والحدس لا ينتهيان إلا إلى الضلال .. وكذلك حذر اللّه رسوله من طاعتهم واتباعهم كي لا يضلوا عن سبيل اللّه .. هكذا على وجه الإجمال. وإن كانت المناسبة الحاضرة حينذاك كانت هي مناسبة تحريم بعض الذبائح وتحليل بعضها كما سيجيء في السياق ..
ثم قرر أن الذي يحكم على العباد بأن هذا مهتد وهذا ضال هو اللّه وحده. لأن اللّه وحده هو الذي يعلم حقيقة العباد،وهو الذي يقرر ما هو الهدى وما هو الضلال: «إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ» ..فلا بد من قاعدة للحكم على عقائد الناس وتصوراتهم وقيمهم وموازينهم ونشاطهم وأعمالهم. لا بد من قاعدة لتقرير ما هو الحق وما هو الباطل في هذا كله - كي لا يكون الأمر في هذه المقومات هو أمر هوى الناس المتقلب واصطلاحهم الذي لا يقوم على علم مستيقن .. ثم لا بد من جهة تضع الموازين لهذه المقومات،ويتلقى منها الناس حكمها على العباد والقيم سواء.
واللّه - سبحانه - يقرر هنا أنه هو - وحده - صاحب الحق في وضع هذا الميزان. وصاحب الحق في وزن الناس به،وتقرير من هو المهتدي،ومن هو الضال.
إنه ليس «المجتمع» هو الذي يصدر هذه الأحكام وفق اصطلاحاته المتقلبة .. ليس المجتمع الذي تتغير أشكاله ومقوماته المادية،فتتغير قيمه وأحكامه .. حيث تكون قيم وأخلاق للمجتمع الزراعي،وقيم وأخلاق أخرى للمجتمع الصناعي. وحيث تكون هناك قيم وأخلاق للمجتمع الرأسمالي البر جوازي،وقيم وأخلاق أخرى للمجتمع الاشتراكي أو الشيوعي .. ثم تختلف موازين الناس وموازين الأعمال وفق مصطلح هذه المجتمعات! الإسلام لا يعرف هذا الأصل ولا يقره .. الإسلام يعين قيما ذاتية له يقررها اللّه - سبحانه - وهذه القيم تثبت مع تغير «أشكال» المجتمعات .. والمجتمع الذي يخرج عليها له اسمه في الاصطلاح الإسلامي .. إنه مجتمع غير إسلامي .. مجتمع جاهلي .. مجتمع