فهرس الكتاب

الصفحة 3778 من 4997

التيارات المتعارضة خطرا على سلامة اتجاهه.إن لم تقده إلى نكسة في خصائصه الإنسانية،تهبط به في سلم الارتقاء الحقيقي.ولو تضخمت علومه وتجاريه في جانب من جوانب الحياة.

وما كان لهذا الكائن الصغير الحجم،المحدود القوة،القصير الأجل،المحدود المعرفة ..ما كان له أن ينال شيئا من هذه الكرامة لولا تلك اللطيفة الربانية الكريمة ..وإلا فمن هو؟ إنه ذلك الخلق الصغير الضئيل الهزيل الذي يحيا على هذا الكوكب الأرضي مع ملايين الأنواع والأجناس من الأحياء.وما الكوكب الأرضي إلا تابع صغير من توابع أحد النجوم.ومن هذه النجوم ملايين الملايين في ذلك الفضاء الذي لا يدري إلا اللّه مداه ..فماذا يبلغ هذا الإنسان لتسجد له ملائكة الرحمن إلا بهذا السر اللطيف العظيم؟ إنه بهذا السر كريم كريم.فإذا تخلى عنه أو انفصم منه ارتد إلى أصله الزهيد ..من طين! ولقد استجاب الملائكة لأمر ربهم كما هي فطرتهم: «فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ» ..

كيف؟ وأين؟ ومتى؟ كل أولئك غيب من غيب اللّه.ومعرفته لا تزيد في مغزى القصة شيئا.هذا المغزى الذي يبرز في تقدير قيمة هذا الإنسان المخلوق من الطين بعد ما ارتفع عن أصله بتلك النفخة من روح اللّه العظيم.سجد الملائكة امتثالا لأمر اللّه،وشعورا بحكمته فيما يراه. «إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ» ..

فهل كان إبليس من الملائكة؟ الظاهر أنه لا.لأنه لو كان من الملائكة ما عصى.فالملائكة لا يعصون اللّه ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ..وسيجيء أنه خلق من نار.والمأثور أن الملائكة خلق من نور عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « خُلِقَتِ الْمَلاَئِكَةُ مِنْ نُورٍ وَخُلِقَ الْجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ » [1] ...ولكنه كان مع الملائكة وكان مأمورا بالسجود.ولم يخص بالذكر الصريح عند الأمر إهمالا لشأنه بسبب ما كان من عصيانه.

إنما عرفنا أن الأمر كان قد وجه إليه من توجيه التوبيخ إليه: «قالَ:يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ؟ أَسْتَكْبَرْتَ؟ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ؟» ..ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي؟ واللّه خالق كل شيء.فلا بد أن تكون هناك خصوصية في خلق هذا الإنسان تستحق هذا التنويه.هي خصوصية العناية الربانية بهذا الكائن وإيداعه نفخة من روح اللّه دلالة على هذه العناية.

أستكبرت؟ عن أمري «أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ؟» الذين لا يخضعون؟ «قالَ:أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ.خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ» ! إنه الحسد ينضح من هذا الرد.والغفلة أو الإغفال للعنصر الكريم الزائد على الطين في آدم،والذي يستحق هذا التكريم.وهو الرد القبيح الذي يصدر عن الطبيعة التي تجردت من الخير كله في هذا الموقف المشهود.

(1) -صحيح مسلم- المكنز [19 /83] (7687 ) المارج:لهب النار المختلط بسواها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت