وهو مشهد عنيف ومع العنف الهوان.حيث تجمع الأقدام إلى الجباه،ثم يقذف المجرمون على هذه الهيئة إلى النار ..فهل حينذلك من تكذيب أو نكران؟
وبينما المشهد معروض،والأخذ بالنواصي والأقدام والقذف في النار مستمر،يلتفت السياق إلى شهود هذا الاستعراض،وكأنهم حاضرون عند تلاوة السورة فيقول لهم: «هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ» ..هذه هي حاضرة معروضة - كما ترون - «يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ» ..متناه في الحرارة كأنه الطعام الناضج على النار! وهم يتراوحون بين جهنم وبين هذا السائل الآني.
انظروا إنهم يطوفون الآن! «فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ؟» ! هذه ضفة العذاب الأليم.والآن إلى ضفة النعيم والتكريم: «وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ» ..
وللمرة الأولى - فيما مر بنا من سور القرآن - تذكر الجنتان.والأظهر أنهما ضمن الجنة الكبيرة المعروفة! ولكن اختصاصهما هنا بالذكر قد يكون لمرتبتهما.وسيأتي في سورة الواقعة أن أصحاب الجنة فريقان كبيران:هما السابقون المقربون.وأصحاب اليمين.ولكل منهما نعيم.فهنا كذلك نلمح أن هاتين الجنتين هما لفريق ذي مرتبة عالية.وقد يكون فريق السابقين المقربين المذكورين في سورة الواقعة.ثم نرى جنتين أخريين من دون هاتين.ونلمح أنهما لفريق يلي ذلك الفريق.وقد يكون هو فريق أصحاب اليمين.
على أية حال فلنشهد الجنتين الأوليين،ولنعش فيهما لحظات! إنهما «ذَواتا أَفْنانٍ» ..والأفنان الأغصان الصغيرة الندية.فهما ريانتان نضرتان.
«فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ» ..فماؤهما غزير،وسهل يسير.
«فِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ» ..ففاكهتهما منوعة كثيرة وفيرة.
وأهل الجنتين ما حالهم؟ إننا ننظرهم: «مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ» والإستبرق المخمل الحرير السميك.فكيف بظهائر هذه الفرش إذا كانت تلك بطائنها؟
«وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ» ..قريب التناول،لا يتعب في قطاف.ولكن هذا لا يستقصي ما فيهما من رفاهة ومتاع.فهناك بقية بهيجة لهذا المتاع: «فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ» ..فهن عفيفات الشعور والنظر.لا تمتد أبصارهن إلى غير أصحابهن،مصونات لم يمسسهن إنس ولا جن.وهن - بعد هذا - ناضرات لامعات: «كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ» .
ذلك كله جزاء من خاف مقام ربه،وعبده كأنه يراه،شاعرا أن ربه يراه،فبلغ بذلك مرتبة الإحسان كما وصفها رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - فنالوا جزاء الإحسان من عطاء الرحمن:
«هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ؟» وفي معرض الإنعام والإحسان،كان التعقيب يجيء في موضعه بعد كل فقرة: «فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ؟» والآن إلى الفريق الآخر صاحب الجنتين الأخريين.