فهرس الكتاب

الصفحة 1865 من 4997

الآخرون فيكشف عن مصير لهم مخيف،وكيد للّه إزاءهم متين: «وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ،وَبِهِ يَعْدِلُونَ. وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ. وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ» ..

وما كانت البشرية لتستحق التكريم لو لم تكن فيها دائما - وفي أحلك الظروف - تلك الجماعة - التي يسميها اللّه «أمة» بالمصطلح الإسلامي للأمة وهي:الجماعة التي تدين بعقيدة واحدة وتتجمع على آصرتها،وتدين لقيادة واحدة قائمة على تلك العقيدة - فهذه الأمة الثابتة على الحق العاملة به في كل حين،هي الحارسة لأمانة اللّه في الأرض،الشاهدة بعهده على الناس،التي تقوم بها حجة اللّه على الضالين المتنكرين لعهده في كل جيل.

ونقف لحظة أمام صفة هذه الأمة: «يَهْدُونَ بِالْحَقِّ. وَبِهِ يَعْدِلُونَ» ..

إن صفة هذه الأمة - التي لا ينقطع وجودها من الأرض أيا كان عددها - أنهم «يَهْدُونَ بِالْحَقِّ» .. فهم دعاة إلى الحق،لا يسكتون عن الدعوة به،وإليه،ولا يتقوقعون على أنفسهم ولا ينزوون بالحق الذي يعرفونه. ولكنهم يهدون به غيرهم. فلهم قيادة فيمن حولهم من الضالين عن هذا الحق،المتنكرين لذلك العهد ولهم عمل إيجابي لا يقتصر على معرفة الحق إنما يتجاوزه إلى الهداية به والدعوة إليه والقيادة باسمه.

«وبه يعدلون» .. فيتجاوزون معرفة الحق والهداية به إلى تحقيق هذا الحق في حياة الناس والحكم به بينهم،تحقيقا للعدل الذي لا يقوم إلا بالحكم بهذا الحق .. فما جاء هذا الحق ليكون مجرد علم يعرف ويدرس.

ولا مجرد وعظ يهدى به ويعرّف! إنما جاء هذا الحق ليحكم أمر الناس كله. يحكم تصوراتهم الاعتقادية فيصححها ويقيمها على وفقه. ويحكم شعائرهم التعبدية فيجعلها ترجمة عنه في صلة العبد بربه. ويحكم حياتهم الواقعية فيقيم نظامها وأوضاعها وفق منهجه ومبادئه ويقضي فيها بشريعته وقوانينه المستمدة من هذه الشريعة.

ويحكم عاداتهم وتقاليدهم وأخلاقهم وسلوكهم فيقيمها كلها على التصورات الصحيحة المستمدة منه. ويحكم مناهج تفكيرهم وعلومهم وثقافاتهم كلها ويضبطها بموازينه ... وبهذا كله يوجد هذا الحق في حياة الناس،ويقوم العدل الذي لا يقوم إلا بهذا الحق .. وهذا ما تزاوله تلك الأمة بعد التعريف بالحق والهداية به ..

إن طبيعة هذا الدين واضحة لا تحتمل التلبيس! صلبة لا تقبل التمييع! والذين يلحدون في هذا الدين يجدون مشقة في تحويله عن طبيعته هذه الواضحة الصلبة .. وهم من أجل ذلك يوجهون إليه جهودا لا تكل،وحملات لا تنقطع،ويستخدمون في تحريفه عن وجهته وفي تمييع طبيعته،كل الوسائل وكل الأجهزة،وكل التجارب .. هم يسحقون سحقا وحشيا كل طلائع البعث والحيوية الصلبة الصامدة في كل مكان على وجه الأرض عن طريق الأوضاع التي يقيمونها ويكفلونها في كل بقاع الأرض!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت