للطريق أمام الأمة المسلمة تهتدي بها في طريقها الطويل الشاق،بين العداوات المتعددة المظاهر المتوحدة الطبيعة ..وهذا هو الإعجاز يتبدى جانب من جوانبه في هذه السمة الثابتة المميزة في كل نص قرآني.
لقد تمت هجرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة بعد تمهيد ثابت وإعداد محكم.تمت تحت تأثير ظروف حتمت هذه الهجرة وجعلتها إجراء ضروريا لسير هذه الدعوة في الخط المرسوم الذي قدره اللّه لها بتدبيره ..كان موقف قريش العنيد من الدعوة في مكة - وبخاصة بعد وفاة خديجة - رضي اللّه عنها - وموت أبي طالب كافل النبي وحاميه ..كان هذا الموقف قد انتهى إلى تجميد الدعوة تقريبا في مكة وما حولها.ومع استمرار دخول أفراد في الإسلام على الرغم من جميع الاضطهادات والتدبيرات فإن الدعوة كانت تعتبر قد تجمدت فعلا في مكة وما حولها،بموقف قريش منها،وتحالفهم على حربها بشتى الوسائل،مما جعل بقية العرب تقف موقف التحرز والانتظار،في ارتقاب نتيجة المعركة بين الرسول وعشيرته الأقربين،وعلى رأسهم أبو لهب وعمرو بن هشام وأبو سفيان بن حرب وغير هم ممن يمتون بصلة القرابة القوية لصاحب الدعوة.وما كان هناك ما يشجع العرب في بيئة قبلية لعلاقات القرابة عندها وزن كبير،على الدخول في عقيدة رجل تقف منه عشيرته هذا الموقف.وبخاصة أن عشيرته هذه هي التي تقوم بسدانة الكعبة،وهي التي تمثل الناحية الدينية في الجزيرة!
ومن ثم كان بحث الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن قاعدة أخرى غير مكة،قاعدة تحمي هذه العقيدة وتكفل لها الحرية،ويتاح لها فيها أن تخلص من هذا التجميد الذي انتهت إليه في مكة.حيث تظفر بحرية الدعوة وبحماية المعتنقين لها من الاضطهاد والفتنة ..وهذا في تقديري كان هو السبب الأول والأهم للهجرة.
ولقد سبق الاتجاه إلى يثرب،لتكون قاعدة للدعوة الجديدة،عدة اتجاهات ..سبقها الاتجاه إلى الحبشة،حيث هاجر إليها كثير من المؤمنين الأوائل.والقول بأنهم هاجروا إليها لمجرد النجاة بأنفسهم لا يستند إلى قرائن قوية.فلو كان الأمر كذلك لهاجر إذن أقل الناس جاها وقوة ومنعة من المسلمين.غير أن الأمر كان على الضد من هذا،فالموالي المستضعفون الذين كان ينصب عليهم معظم الاضطهاد والتعذيب والفتنة لم يهاجروا.إنما هاجر رجال ذوو عصبيات،لهم من عصبيتهم - في بيئة قبلية - ما يعصمهم من الأذى،ويحميهم من الفتنة وكان عدد القرشيين يؤلف غالبية المهاجرين،منهم جعفر بن أبي طالب - وأبوه وفتيان بني هاشم معه هم الذين كانوا يحمون النبي - صلى الله عليه وسلم - ومنهم جعفر بن أبي طالب - وأبوه وفتيان بني هاشم معه هم الذين كانوا يحمون النبي - صلى الله عليه وسلم - ومنهم الزبير بن العوام،وعبد الرحمن ابن عوف،وأبو سلمة المخزومي،وعثمان بن عفان الأموي ....وغيرهم.وهاجرت نساء كذلك من أشرف بيوتات مكة ما كان الأذى لينالهن أبدا ..وربما كان وراء هذه الهجرة أسباب أخرى كإثارة هزة في أوساط البيوت الكبيرة في قريش وأبناؤها الكرام المكرمون يهاجرون بعقيدتهم،فرارا من الجاهلية،تاركين وراءهم كل وشائج القربى،في بيئة قبلية تهزها هذه الهجرة على هذا النحو هزا عنيفا وبخاصة حين يكون من بين المهاجرين مثل أم حبيبة،بنت أبي سفيان،زعيم