فهرس الكتاب

الصفحة 1760 من 4997

ثم يزيد عليه ما يمليه واقعهم .. واقع استخلافهم في الأرض من بعد قوم نوح،وإعطائهم قوة في الأجسام وضخامة بحكم نشأتهم الجبلية،وإعطائهم كذلك السلطان والسيطرة: «وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ،وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً. فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ» ..

فلقد كان من حق هذا الاستخلاف،وهذه القوة والبسطة،أن تستوجب شكر النعمة،والحذر من البطر،واتقاء مصير الغابرين. وهم لم يأخذوا على اللّه عهدا:أن تتوقف سنته التي لا تتبدل،والتي تجري وفق الناموس المرسوم،بقدر معلوم. وذكر النعم يوحي بشكرها وشكر النعمة تتبعه المحافظة على أسبابها ومن ثم يكون الفلاح في الدنيا والآخرة.

ولكن الفطرة حين تنحرف لا تتفكر ولا تتدبر ولا تتذكر .. وهكذا أخذت الملأ العزة بالإثم،واختصروا الجدل،واستعجلوا العذاب استعجال من يستثقل النصح،ويهزأ بالإنذار: « قالُوا:أَجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا؟ فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ» ..

لكأنما كان يدعوهم إلى أمر منكر لا يطيقون الاستماع إليه،ولا يصبرون على النظر فيه:

«أَجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ،وَنَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا؟» إنه مشهد بائس لاستعباد الواقع المألوف للقلوب والعقول. هذا الاستعباد الذي يسلب الإنسان خصائص الإنسان الأصيلة:حرية التدبر والنظر،وحرية التفكير والاعتقاد. ويدعه عبدا للعادة والتقليد،وعبدا للعرف والمألوف،وعبدا لما تفرضه عليه أهواؤه وأهواء العبيد من أمثاله،ويغلق عليه كل باب للمعرفة وكل نافذة للنور ..

وهكذا استعجل القوم العذاب فرارا من مواجهة الحق،بل فرارا من تدبر تفاهة الباطل الذي هم له عبيد وقالوا لنبيهم الناصح الأمين: «فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ» ! ومن ثم كان الجواب حاسما وسريعا في رد الرسول: «قالَ:قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ. أَتُجادِلُونَنِي فِي أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما نَزَّلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ؟ فَانْتَظِرُوا،إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ» .

لقد أبلغهم العاقبة التي أنبأه بها ربه،والتي قد حقت عليهم فلم يعد عنها محيص .. إنه العذاب الذي لا دافع له،وغضب اللّه المصاحب له .. ثم جعل بعد هذا التعجيل لهم بالعذاب الذي استعجلوه يكشف لهم عن سخافة معتقداتهم وتصوراتهم: «أَتُجادِلُونَنِي فِي أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما نَزَّلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ؟» ..

إن ما تعبدون مع اللّه ليس شيئا ذا حقيقة! إنها مجرد أسماء أطلقتموها أنتم وآباؤكم من عند أنفسكم،لم يشرعها اللّه ولم يأذن بها،فما لها إذن من سلطان ولا لكم عليها من برهان.

والتعبير المتكرر في القرآن: «ما نَزَّلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ» .. هو تعبير موح عن حقيقة أصيلة .. إن كل كلمة أو شرع أو عرف أو تصور لم ينزله اللّه،خفيف الوزن،قليل الأثر،سريع الزوال .. إن الفطرة تتلقى هذا كله في استخفاف،فإذا جاءت الكلمة من اللّه ثقلت واستقرت ونفذت إلى الأعماق،بما فيها من سلطان اللّه الذي يودعها إياه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت