فهرس الكتاب

الصفحة 1759 من 4997

اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. قالُوا:أَجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا؟ فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ. قالَ:قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ،أَتُجادِلُونَنِي فِي أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما نَزَّلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ؟ فَانْتَظِرُوا،إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ. فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا،وَقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا،وَما كانُوا مُؤْمِنِينَ».

إنها نفس الرسالة،ونفس الحوار،ونفس العاقبة .. إنها السنة الماضية،والناموس الجاري،والقانون الواحد ..

إن قوم عاد هؤلاء من ذراري نوح والذين نجوا معه في السفينة،وقيل:كان عددهم ثلاثة عشر .. وما من شك أن أبناء هؤلاء المؤمنين الناجين في السفينة كانوا على دين نوح عليه السلام - وهو الإسلام - كانوا يعبدون اللّه وحده،ما لهم من إله غيره،وكانوا يعتقدون أنه رب العالمين،فهكذا قال لهم نوح: «وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ» .. فلما طال عليهم الأمد،وتفرقوا في الأرض،ولعب معهم الشيطان لعبة الغواية،وقادهم من شهواتهم - وفي أولها شهوة الملك وشهوات المتاع - وفق الهوى لا وفق شريعة اللّه،عاد قوم هود يستنكرون أن يدعوهم نبيهم إلى عبادة اللّه وحده من جديد: «وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُودًا،قال:يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ. أَفَلا تَتَّقُونَ؟» ..

القولة التي قالها نوح من قبله،والتي كذب بها قومه،فأصابهم ما أصابهم،واستخلف اللّه عادا من بعدهم - ولا يذكر هنا أين كان موطنهم،وفي سورة أخرى نعلم أنهم كانوا بالأحقاف،وهي الكثبان المرتفعة على حدود اليمن ما بين اليمامة وحضر موت - وقد ساروا في الطريق الذي سار فيه من قبل قوم نوح،فلم يتذكروا ولم يتدبروا ما حل بمن ساروا في هذا الطريق،لذلك يضيف هود في خطابه لهم قوله: «أَفَلا تَتَّقُونَ؟» استنكارا لقلة خوفهم من اللّه ومن ذلك المصير المرهوب.

وكأنما كبر على الملأ الكبراء من قومه أن يدعوهم واحد من قومهم إلى الهدى،وأن يستنكر منهم قلة التقوى ورأوا فيه سفاهة وحماقة،وتجاوزا للحد،وسوء تقدير للمقام! فانطلقوا يتهمون نبيهم بالسفاهة وبالكذب جميعا في غير تحرج ولا حياء: «قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ:إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ،وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ» ..هكذا جزافا بلا تزوّ ولا تدبر ولا دليل! «قالَ:يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ،وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ. أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ» ..

لقد نفى عن نفسه السفاهة في بساطة وصدق - كما نفى عن نفسه الضلالة - وقد كشف لهم - كما كشف نوح من قبل - عن مصدر رسالته وهدفها وعن نصحه لهم فيها وأمانته في تبليغها. وقال لهم ذلك كله في مودة الناصح وفي صدق الأمين.

ولا بد أن يكون القوم قد عجبوا - كما عجب قوم نوح من قبل - من هذا الاختيار،ومن تلك الرسالة،فإذا هود يكرر لهم ما قاله نوح من قبل،كأنما كلاهما روح واحدة في شخصين: «أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ؟» ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت