«ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ - مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ - » .عجل الذهب،الذي صاغه لهم السامري،مما كانوا قد أخذوه - حيلة - من نساء المصريين وهم خارجون من مصر - فإذا هم يعكفون عليه ويتخذونه إلها في غيبة موسى عنهم في مناجاة ربه،في الموعد الذي حدده له،لينزل عليه الألواح فيها هدى ونور. «فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ» ..ولكن اليهود هم اليهود.لا يفلح معهم إلا القهر والخوف: «وَآتَيْنا مُوسى سُلْطانًا مُبِينًا.وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ.وَقُلْنا لَهُمُ:ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّدًا.وَقُلْنا لَهُمْ:لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ.وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقًا غَلِيظًا» ..
والسلطان الذي آتاه اللّه موسى هو - في الغالب - الشريعة التي تضمنتها الألواح،فشريعة اللّه سلطان من اللّه وكل شريعة غير شريعة اللّه ما أنزل اللّه بها من سلطان وما جعل فيها من سطوة على القلوب.لذلك تستهين القلوب بالشرائع والقوانين التي يسنها البشر لأنفسهم،ولا تنفذها إلا تحت عين الرقيب وسيف الجلاد.فأما شريعة اللّه فالقلوب تخضع لها وتخنع ولها في النفس مهابة وخشية ..
ولكن اليهود الذين لا تستشعر قلوبهم الإيمان أبوا الاستسلام لما في الألواح ..وهنا جاءهم القهر المادي الذي يناسب طبيعتهم الغليظة.إذ نظروا فرأوا الصخرة معلقة فوق رؤوسهم تهددهم بالوقوع عليهم إذا هم لم يستسلموا ولم يتعهدوا بأخذ ما أعطاهم اللّه من العهد وما كتب عليهم من التكاليف في الألواح ..عندئذ فقط استسلموا وأخذوا العهد وأعطوا الميثاق ..ميثاقا غليظا ..مؤكدا وثيقا ..يذكره - بهذه الصفة - ليتناسق المشهد مع غلظ الصخر المرفوع فوقهم،وغلظ القلب الذي في صدورهم،ثم يعطي - إلى جانب التناسق معنى الجسامة والوثاقة والمتانة على طريقة القرآن الكريم في التعبير بالتصوير،وبالتخييل الحسي والتجسيم [1] .
وكان في هذا الميثاق:أن يدخلوا بيت المقدس سجدا.وأن يعظموا السبت الذي طلبوا أن يكون لهم عيدا.ولكن ماذا كان؟ إنهم بمجرد ذهاب الخوف عنهم وغياب القهر لهم،تملصوا من الميثاق الغليظ فنقضوه،وكفروا بآيات اللّه،وقتلوا أنبياءه بغير حق.وتبجحوا فقالوا:إن قلوبنا لا تقبل موعظة،ولا يصل إليها قول،لأنها مغلفة دون كل قول! وفعلوا كل الأفاعيل الأخرى التي يقصها اللّه سبحانه على رسوله وعلى المسلمين - في مواجهة اليهود - في سياق هذه الآيات .. «فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ،وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ،وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ،وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ ...» وعند قولهم: «قُلُوبُنا غُلْفٌ» ..وهي القولة التي كانوا يجيبون بها على دعوة الرسول - صلى الله عليه وسلم - إما تيئيسا له من إيمانهم واستجابتهم،وإما استهزاء بتوجيه الدعوة إليهم،وتبجحا بالتكذيب وعدم الإصغاء،وإما هذا وذلك معا ..عند قولهم هذا ينقطع السياق للرد عليهم: «بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها - بِكُفْرِهِمْ - فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا - » فهي ليست مغلفة بطبعها.إنما هم كفرهم جر عليهم أن يطبع اللّه على قلوبهم،فإذا هي صلدة
(1) - يراجع كتاب:التصوير الفني في القرآن «دار الشروق» . ( السيد رحمه الله )