هذا هو المشهد الأول في القصة.مشهد الأم الحائرة الخائفة القلقة الملهوفة تتلقى الإيحاء المطمئن المبشر المثبت المريح.وينزل هذا الإيحاء على القلب الواجف المحرور بردا وسلاما.ولا يذكر السياق كيف تلقته أم موسى،ولا كيف نفذته.إنما يسدل الستار عليها،ليرفعه فإذا نحن أمام المشهد الثاني:
«فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ» ..أهذا هو الأمن؟ أهذا هو الوعد؟ أهذه هي البشارة؟
وهل كانت المسكينة تخشى عليه إلا من آل فرعون؟ وهل كانت ترجف إلا أن ينكشف أمره لآل فرعون؟ وهل كانت تخاف إلا أن يقع في أيدي آل فرعون؟
نعم! ولكنها القدرة تتحدى.تتحدى بطريقة سافرة مكشوفة.تتحدى فرعون وهامان وجنودهما.إنهم ليتتبعون الذكور من مواليد قوم موسى خوفا على ملكهم وعرشهم وذواتهم.ويبثون العيون والأرصاد على قوم موسى كي لا يفلت منهم طفل ذكر ..فها هي ذي يد القدرة تلقي في أيديهم بلا بحث ولا كد بطفل ذكر.وأي طفل؟ إنه الطفل الذي على يديه هلاكهم أجمعين! ها هي ذي تلقيه في أيديهم مجردا من كل قوة ومن كل حيلة،عاجزا عن أن يدفع عن نفسه أو حتى يستنجد! ها هي ذي تقتحم به على فرعون حصنه وهو الطاغية السفاح المتجبر،ولا تتعبه في البحث عنه في بيوت بني إسرائيل،وفي أحضان نسائهم الوالدات! ثم ها هي ذي تعلن عن مقصدها سافرة متحدية: «لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا» .ليكون لهم عدوا يتحداهم وحزنا يدخل الهم على قلوبهم: «إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ» ..ولكن كيف؟ كيف وها هو ذا بين أيديهم،مجردا من كل قوة،مجردا من كل حيلة؟ لندع السياق يجيب: «وَقالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ:قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ،لا تَقْتُلُوهُ،عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ» ..
لقد اقتحمت به يد القدرة على فرعون قلب امرأته،بعد ما اقتحمت به عليه حصنه.لقد حمته بالمحبة.ذلك الستار الرقيق الشفيف.لا بالسلاح ولا بالجاه ولا بالمال.حمته بالحب الحاني في قلب امرأة.وتحدت به قسوة فرعون وغلظته وحرصه وحذره ..وهان فرعون على اللّه أن يحمي منه الطفل الضعيف بغير هذا الستار الشفيف! «قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ» ..وهو الذي تدفع به يد القدرة إليهم ليكون لهم - فيما عدا المرأة - عدوا وحزنا! «لا تَقْتُلُوهُ» ..وهو الذي على يده مصرع فرعون وجنده! «عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا» ..وهو الذي تخبئ لهم الأقدار من ورائه ما حذروا منه طويلا! «وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ» ..فيا للقدرة القادرة التي تتحداهم وتسخر منهم وهم لا يشعرون! وينتهي المشهد الثاني ويسدل الستار عليه إلى حين.
ذلك شأن موسى.فما بال أمه الوالهة وقلبها الملهوف؟
«وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغًا.إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ.لَوْلا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ.وَقالَتْ لِأُخْتِهِ:قُصِّيهِ» ..لقد سمعت الإيحاء،وألقت بطفلها إلى الماء.ولكن أين هو يا ترى وماذا فعلت به الأمواج؟ ولعلها سألت نفسها:كيف؟ كيف أمنت على فلذة كبدي أن أقذف بها في