فهرس الكتاب

الصفحة 273 من 4997

إن السمات الرئيسية لطبيعة إسرائيل تبدو واضحة في قصة البقرة هذه:انقطاع الصلة بين قلوبهم،وذلك النبع الشفيف الرقراق:نبع الإيمان بالغيب،والثقة باللّه،والاستعداد لتصديق ما يأتيهم به الرسل.ثم التلكؤ في الاستجابة للتكاليف،وتلمس الحجج والمعاذير،والسخرية المنبعثة من صفاقة القلب وسلاطة اللسان!

لقد قال لهم نبيهم: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً» ..وكان هذا القول بهذه الصيغة يكفي للاستجابة والتنفيذ.فنبيهم هو زعيمهم الذي أنقذهم من العذاب المهين،برحمة من اللّه ورعاية وتعليم وهو ينبئهم أن هذا ليس أمره وليس رأيه،إنما هو أمر اللّه،الذي يسير بهم على هداه ..فماذا كان الجواب؟ لقد كان جوابهم سفاهة وسوء أدب،واتهاما لنبيهم الكريم بأنه يهزأ بهم ويسخر منهم! كأنما يجوز لإنسان يعرف اللّه - فضلا على أن يكون رسول اللّه - أن يتخذ اسم اللّه وأمره مادة مزاح وسخرية بين الناس: «قالُوا:أَتَتَّخِذُنا هُزُوًا؟» .

وكان رد موسى على هذه السفاهة أن يستعيذ باللّه وأن يردهم برفق،وعن طريق التعريض والتلميح،إلى جادة الأدب الواجب في جانب الخالق جل علاه وأن يبين لهم أن ما ظنوه به لا يليق إلا بجاهل بقدر اللّه،لا يعرف ذلك الأدب ولا يتوخاه: «قالَ:أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ» ..

وكان في هذا التوجيه كفاية ليثوبوا إلى أنفسهم،ويرجعوا إلى ربهم،وينفذوا أمر نبيهم ..ولكنها إسرائيل!

نعم.لقد كان في وسعهم - وهم في سعة من الأمر - أن يمدوا أيديهم إلى أية بقرة فيذبحوها،فإذا هم مطيعون لأمر اللّه،منفذون لإشارة رسوله.ولكن طبيعة التلكؤ والالتواء تدركهم،فإذا هم يسألون: «قالُوا:ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ؟» ..والسؤال بهذه الصيغة يشي بأنهم ما يزالون في شكهم أن يكون موسى هازئا فيما أنهى إليهم! فهم أولا:يقولون: «ادْعُ لَنا رَبَّكَ» ..فكأنما هو ربه وحده لا ربهم كذلك! وكأن المسألة لا تعنيهم هم إنما تعني موسى وربه! وهم ثانيا:يطلبون منه أن يدعو ربه ليبين لهم: «ما هِيَ؟» والسؤال عن الماهية في هذا المقام - وإن كان المقصود الصفة - إنكار واستهزاء ..ما هي؟ إنها بقرة.وقد قال لهم هذا من أول الأمر بلا تحديد لصفة ولا سمة.بقرة وكفى! هنا كذلك يردهم موسى إلى الجادة،بأن يسلك في الإجابة طريقا غير طريق السؤال.إنه لا يجبههم بانحرافهم في صيغة السؤال كي لا يدخل معهم في جدل شكلي ..إنما يجيبهم كما ينبغي أن يجيب المعلم المربي من يبتليه اللّه بهم من السفهاء المنحرفين.يجيبهم عن صفة البقرة: «قالَ:إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ،عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ» ..

إنها بقرة لا هي عجوز ولا هي شابة،وسط بين هذا وذاك.ثم يعقب على هذا البيان المجمل بنصيحة آمرة حازمة: «فَافْعَلُواما تُؤْمَرُونَ» ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت