ولقد كان في هذا كفاية لمن يريد الكفاية وكان حسبهم وقد ردهم نبيهم إلى الجادة مرتين،ولمح لهم بالأدب الواجب في السؤال وفي التلقي.أن يعمدوا إلى أية بقرة من أبقارهم،لا عجوز ولا صغيرة،متوسطة السن،فيخلصوا بها ذمتهم،وينفذوا بذبحها أمر ربهم،ويعفوا أنفسهم من مشقة التعقيد والتضييق ..ولكن إسرائيل هي إسرائيل!
لقد راحوا يسألون: «قالُوا:ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها؟» ..
هكذا مرة أخرى: «ادْعُ لَنا رَبَّكَ» ! ولم يكن بد - وقد شققوا الموضوع وطلبوا التفصيل - أن يأتيهم الجواب بالتفصيل: «قالَ:إِنَّهُ يَقُولُ،إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النَّاظِرِينَ» ..
وهكذا ضيقوا على أنفسهم دائرة الاختيار - وكانوا من الأمر في سعة - فأصبحوا مكلفين أن يبحثوا لا عن بقرة ..مجرد بقرة ..بل عن بقرة متوسطة السن،لا عجوز ولا صغيرة،وهي بعد هذا صفراء فاقع لونها وهي بعد هذا وذلك ليست هزيلة ولا شوهاء: «تَسُرُّ النَّاظِرِينَ» ..وسرور الناظرين لا يتم إلا أن تقع أبصارهم على فراهة وحيوية ونشاط والتماع في تلك البقرة المطلوبة فهذا هو الشائع في طباع الناس:أن يعجبوا بالحيوية والاستواء ويسروا،وأن ينفروا من الهزال والتشويه ويشمئزوا.
ولقد كان فيما تلكأوا كفاية،ولكنهم يمضون في طريقهم،يعقدون الأمور،ويشددون على أنفسهم،فيشدد اللّه عليهم.لقد عادوا مرة أخرى يسألون عن الماهية: «قالُوا:ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ» ..
ويعتذرون عن هذا السؤال وعن ذلك التلكؤ بأن الأمر مشكل: «إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا» ..
وكأنما استشعروا لجاجتهم هذه المرة.فهم يقولون: «وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ» ..
ولم يكن بد كذلك أن يزيد الأمر عليهم مشقة وتعقيدا،وأن تزيد دائرة الاختيار المتاحة لهم حصرا وضيقا،بإضافة أوصاف جديدة للبقرة المطلوبة،كانوا في سعة منها وفي غنى عنها: «قالَ:إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ،مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها» ..
وهكذا لم تعد بقرة متوسطة العمر.صفراء فاقع لونها فارهة فحسب.بل لم يعد بد أن تكون - مع هذا - بقرة غير مذللة ولا مدربة على حرث الأرض أو سقي الزرع وأن تكون كذلك خالصة اللون لا تشوبها علامة.هنا فقط ..وبعد أن تعقد الأمر،وتضاعفت الشروط،وضاق مجال الاختيار: «قالُوا:الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ» ..الآن! كأنما كان كل ما مضى ليس حقا.أو كأنهم لم يستيقنوا أن ما جاءهم به هو الحق إلا اللحظة! «فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ» !!
عندئذ - وبعد تنفيذ الأمر والنهوض بالتكليف - كشف اللّه لهم عن الغاية من الأمر والتكليف: «وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيها،وَاللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ،فَقُلْنا:اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها.كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى،وَيُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ» ..