فهرس الكتاب

الصفحة 275 من 4997

وهنا نصل إلى الجانب الثاني من جوانب القصة.جانب دلالتها على قدرة الخالق،وحقيقة البعث،وطبيعة الموت والحياة.وهنا يتغير السياق من الحكاية إلى الخطاب والمواجهة:لقد كشف اللّه لقوم موسى عن الحكمة من ذبح البقرة ..لقد كانوا قد قتلوا نفسا منهم ثم جعل كل فريق

يدرأ عن نفسه التهمة ويلحقها بسواه.ولم يكن هناك شاهد فأراد اللّه أن يظهر الحق على لسان القتيل ذاته وكان ذبح البقرة وسيلة إلى إحيائه،وذلك بضربه ببعض من تلك البقرة الذبيح ..وهكذا كان،فعادت إليه الحياة،ليخبر بنفسه عن قاتله،وليجلو الريب والشكوك التي أحاطت بمقتله وليحق الحق ويبطل الباطل بأوثق البراهين.

ولكن.فيم كانت هذه الوسيلة،واللّه قادر على أن يحي الموتى بلا وسيلة؟ ثم ما مناسبة البقرة المذبوحة مع القتيل المبعوث؟

إن البقر يذبح قربانا كما كانت عادة بني إسرائيل ..وبضعة من جسد ذبيح ترد بها الحياة إلى جسد قتيل.وما في هذه البضعة حياة ولا قدرة على الإحياء ..إنما هي مجرد وسيلة ظاهرة تكشف لهم عن قدرة اللّه،التي لا يعرف البشر كيف تعمل.فهم يشاهدون آثارها ولا يدركون كنهها ولا طريقتها في العمل و: «كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى » ..كذلك بمثل هذا الذي ترونه واقعا ولا تدرون كيف وقع وبمثل هذا اليسر الذي لا مشقة فيه ولا عسر.

إن المسافة بين طبيعة الموت وطبيعة الحياة مسافة هائلة تدير الرؤوس.ولكنها في حساب القدرة الإلهية أمر يسير ..كيف؟ ..هذا ما لا أحد يدريه.وما لا يمكن لأحد إدراكه ..إن إدراك الماهية والكيفية هنا سر من أسرار الألوهية،لا سبيل إليه في عالم الفانين! وإن يكن في طوق العقل البشري إدراك دلالته والاتعاظ بها: «وَيُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ» ..

وأخيرا نجيء إلى جمال الأداء وتناسقه مع السياق ..هذه قصة قصيرة نبدؤها،فإذا نحن أمام مجهول لا نعرف ما وراءه.نحن لا نعرف في مبدأ عرض القصة لماذا يأمر اللّه بني إسرائيل أن يذبحوا بقرة،كما أن بني إسرائيل إذ ذاك لم يعرفوا،وفي هذا اختبار لمدى الطاعة والاستجابة والتسليم.

ثم تتابع الحوار في عرض القصة بين موسى وقومه،فلا نرى الحوار ينقطع ليثبت ما دار بين موسى وربه على حين أنهم كانوا في كل مرة يطلبون منه أن يسأل ربه،فكان يسأله،ثم يعود إليهم بالجواب ..ولكن سياق القصة لا يقول:إنه سأل ربه ولا إن ربه أجابه ..إن هذا السكوت هو اللائق بعظمة اللّه،التي لا يجوز أن تكون في طريق اللجاجة التي يزاولها بنو إسرائيل! ثم تنتهي إلى المباغتة في الخاتمة - كما بوغت بها بنو إسرائيل - انتفاض الميت مبعوثا ناطقا،على ضربة من بعض جسد لبقرة بكماء

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت