فهرس الكتاب

الصفحة 2482 من 4997

هُمُ الْأَخْسَرُونَ. «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ.«مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ،هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا؟ أَفَلا تَذَكَّرُونَ؟» ..

إن طول هذه الجملة،وتنوع الإشارات والإيحاءات فيها،وتنوع اللفتات والإيقاعات أيضا ..إن هذا كله يشيء بما كانت تواجهه القلة المؤمنة،في تلك الفترة الحرجة من تاريخ الدعوة ويصور لنا حاجة الموقف إلى هذه المعركة التقريرية الإيحائية كما يصور لنا طبيعة هذا القرآن الحركية وهو يواجه ذلك الواقع ويجاهده جهادا كبيرا.

إن هذا القرآن لا يتذوقه إلا من يخوض مثل هذه المعركة ويواجه مثل تلك المواقف التي تنزل فيها ليواجهها ويوجهها.والذين يتلمسون معاني القرآن ودلالاته وهم قاعدون.يدرسونه دراسة بيانية أو فنية لا يملكون أن يجدوا من حقيقته شيئا في هذه القعدة الباردة الساكنة بعيدا عن المعركة وبعيدا عن الحركة ..إن حقيقة هذا القرآن لا تتكشف للقاعدين أبدا،وإن سره لا يتجلى لمن يؤثرون السلامة والراحة مع العبودية لغير اللّه،والدينونة للطاغوت من دون اللّه!

«أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ،وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ،وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِمامًا وَرَحْمَةً؟ أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ،وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ،فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ،إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ،وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ» ..

وردت روايات شتى فيما هو المقصود بقوله تعالى: «أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ» ..وفي قوله تعالى: «وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ» .وفي عائد هذه الضمائر في: «ربه» وفي «يتلوه» وفي «منه» ..وأرجحها - كما يبدو لي - هو أن المقصود بقوله تعالى: «أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ» هو رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وبالتبعية له كل من يؤمن بما جاء به - وأن المقصود بقوله تعالى: «وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ» أي ويتبعه شاهد من ربه على نبوته ورسالته.وهو هذا القرآن الذي يشهد بذاته أنه وحي من اللّه لا يقدر عليه بشر. «وَمِنْ قَبْلِهِ» - أي من قبل هذا الشاهد وهو القرآن «كتاب موسى» يشهد كذلك بصدق النبي - صلى الله عليه وسلم - سواء بما تضمنه من البشارة به أو بموافقة أصله لما جاء به محمد من بعده.

والذي يرجح هذا عندي هو وحدة التعبير القرآني في السورة - في تصوير ما بين الرسل الكرام وربهم،من بينة يجدونها في أنفسهم،يستيقنون معها أن اللّه هو الذي يوحي إليهم،ويجدون بها ربهم في قلوبهم وجودا مستيقنا واضحا لا يخالجهم معه شك ولا ريبة.فنوح - عليه السلام - يقول لقومه: «يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ،أَنُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ؟» ..وصالح عليه السلام يقول الكلمة ذاتها: {قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّيَ وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ} (28) سورة هود..وشعيب عليه السلام يقولها كذلك:قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىَ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت