فهرس الكتاب

الصفحة 2483 من 4997

تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (88) سورة هود،فهو تعبير موحد عن حال واحدة للرسل الكرام مع ربهم،تصور حقيقة ما يجدونه في أنفسهم من رؤية قلبية مستقينة لحقيقة الألوهية في نفوسهم ولصدق اتصال ربهم بهم عن طريق الوحي أيضا ..وهذا التوحيد في التعبير عن الحال الواحدة مقصود قصدا في سياق السورة - كما أسلفنا في التعريف بها - لإثبات أن شأن النبي - صلى الله عليه وسلم - مع ربه ومع الوحي الذي تنزل عليه شأن سائر الرسل الكرام قبله مما يبطل دعاوى المشركين المفتراة عليه - صلى الله عليه وسلم - وكذلك لتثبيته هو والقلة المؤمنة معه على الحق الذي معهم فهو الحق الواحد الذي جاء به الرسل جميعا،والذي أسلم عليه المسلمون من أتباع الرسل جميعا.ويكون المعنى الكلي للآية:أفهذا النبي الذي تتضافر الأدلة والشواهد على صدقه وصحة إيمانه ويقينه ..

حيث يجد في نفسه بينة واضحة مستيقنة من ربه.وحيث يتبعه - أو يتبع يقينه هذا - شاهد من ربه هو هذا القرآن الدال بخصائصه على مصدره الرباني.وحيث يقوم على تصديقه شاهد آخر قبله،هو كتاب موسى الذي جاء إماما لقيادة بني إسرائيل ورحمة من اللّه تنزلت عليهم.وهو يصدق رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - بما تضمنه من التبشير به،كما يصدقه بما فيه من مطابقة للأصول الاعتقادية التي يقوم عليها دين اللّه كله ..يقول:أفمن كان هذا شأنه يكون موضعا للتكذيب والكفر والعناد كما تفعل الأحزاب التي تناوئه من شتى فئات المشركين؟ إنه لأمر مستنكر إذن في مواجهة هذه الشواهد المتضافرة من شتى الجهات ..

ثم يعرض مواقف الذين يؤمنون بهذا القرآن والذين يكفرون به من الأحزاب،وما ينتظر هؤلاء من جزاء في الآخرة.ويعرج على تثبيت الرسول - صلى الله عليه وسلم - والذين يؤمنون بما معه من الحق فلا يقلقهم شأن المكذبين الكافرين،وهم كثرة الناس في ذلك الحين: «أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ،وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ،فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ،إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ،وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ» ..

وقد وجد بعض المفسرين إشكالا في قوله تعالى: «أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ» إذا كان المقصود بقوله تعالى:

«أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ» هو شخص رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - كما أسلفنا ..فإن «أولئك» تعني جماعة يؤمنون بهذا الوحي وبتلك البينة ..ولا إشكال هناك.فالضمير في قوله تعالى «أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ» يعود على «شاهد» وهو القرآن.وكذلك الضمير في قوله تعالى «وَمِنْ قَبْلِهِ» فإنه يعود على القرآن كما أسلفنا ..فلا إشكال في أن يقول: «أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ» - أي بهذا الشاهد أي بهذا القرآن - والرسول - صلى الله عليه وسلم - هو أول من آمن بما أنزل إليه،ثم تبعه المؤمنون: «آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ.كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ ...» كما جاء في آية البقرة ..والآية هنا تشير إلى رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وتدمج معه المؤمنين الذين آمنوا بما آمن به هو وبلغهم إياه ..وهو أمر مألوف في التعبير القرآني،ولا إشكال فيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت