فهرس الكتاب

الصفحة 250 من 4997

الإنسان القدرة على الرمز بالأسماء للمسميات،والمشقة في التفاهم والتعامل،حين يحتاج كل فرد لكي يتفاهم مع الآخرين على شيء أن يستحضر هذا الشيء بذاته أمامهم ليتفاهموا بشأنه ..الشأن شأن نخلة فلا سبيل إلى التفاهم عليه إلا باستحضار جسم النخلة! الشأن شأن جبل.فلا سبيل إلى التفاهم عليه إلا بالذهاب إلى الجبل! الشأن شأن فرد من الناس فلا سبيل إلى التفاهم عليه إلا بتحضير هذا الفرد من الناس ...إنها مشقة هائلة لا تتصور معها حياة! وإن الحياة ما كانت لتمضي في طريقها لو لم يودع اللّه هذا الكائن القدرة على الرمز بالأسماء للمسميات.

32 -فأما الملائكة فلا حاجة لهم بهذه الخاصية،لأنها لا ضرورة لها في وظيفتهم.ومن ثم لم توهب لهم.فلما علم اللّه آدم هذا السر،وعرض عليهم ما عرض لم يعرفوا الأسماء.لم يعرفوا كيف يضعون الرموز اللفظية للأشياء والشخوص ..وجهروا أمام هذا العجز بتسبيح ربهم،والاعتراف بعجزهم،والإقرار بحدود علمهم،وهو ما علمهم ..وعرف آدم ..ثم كان هذا التعقيب الذي يردهم إلى إدراك حكمة العليم الحكيم: «قالَ:أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ:إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ،وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ؟» ..

«وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ:اسْجُدُوا لِآدَمَ.فَسَجَدُوا» ..إنه التكريم في أعلى صوره،لهذا المخلوق الذي يفسد في الأرض ويسفك الدماء،ولكنه وهب من الأسرار ما يرفعه على الملائكة.لقد وهب سر المعرفة،كما وهب سر الإرادة المستقلة التي تختار الطريق ..إن ازدواج طبيعته،وقدرته على تحكيم إرادته في شق طريقه،واضطلاعه بأمانة الهداية إلى اللّه بمحاولته الخاصة ..إن هذا كله بعض أسرار تكريمه.

ولقد سجد الملائكة امتثالا للأمر العلوي الجليل .. «إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ» ..

وهنا تتبدى خليقة الشر مجسمة:عصيان الجليل سبحانه! والاستكبار عن معرفة الفضل لأهله.والعزة بالإثم.والاستغلاق عن الفهم.

ويوحي السياق أن إبليس لم يكن من جنس الملائكة،إنما كان معهم.فلو كان منهم ما عصى.وصفتهم الأولى أنهم «لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ» ..والاستثناء هنا لا يدل على أنه من جنسهم،فكونه معهم يجيز هذا الاستثناء،كما تقول:جاء بنو فلان إلا أحمد.وليس منهم إنما هو عشير هم وإبليس من الجن بنص القرآن،واللّه خلق الجان من مارج من نار.وهذا يقطع بأنه ليس من الملائكة.

والآن.لقد انكشف ميدان المعركة الخالدة.المعركة بين خليقة الشر في إبليس،وخليفة اللّه في الأرض.

المعركة الخالدة في ضمير الإنسان.المعركة التي ينتصر فيها الخير بمقدار ما يستعصم الإنسان لشهوته.ويبعد عن ربه: «وَقُلْنا:يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ،وَكُلا مِنْها رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُما،وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ،فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ» ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت