فهرس الكتاب

الصفحة 1633 من 4997

ومن يقدر له الضلال - وفق سنته الجارية من إضلال من يرغب عن الهدى ويغلق فطرته عنه - «يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ» .. فهو مغلق مطموس يجد العسر والمشقة في قبوله، «كأنما يصعد في السماء» .. وهي حالة نفسية تجسم في حالة حسية،من ضيق النفس،وكربة الصدر،والرهق المضني في التصعد إلى السماء! وبناء اللفظ ذاته «يصعد» - كما هو في قراءة حفص - فيه هذا العسر والقبض والجهد.وجرسه يخيل هذا كله،فيتناسق المشهد الشاخص،مع الحالة الواقعة،مع التعبير اللفظي في إيقاع واحد [1] .

وينتهي المشهد بهذا التعقيب المناسب: «كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ» ..

.. كذلك .. بمثل هذا الذي يجري به قدر اللّه من شرح صدر الذي يريد اللّه به الهدى،ومن العسر والجهد والمشقة لمن يريد به الضلال .. كذلك يجعل اللّه الرجس على الذين لا يؤمنون.

ومن معاني الرجس:العذاب. ومن معانيه كذلك:الارتكاس - وكلاهما يلون هذا العذاب بمشهد الذي يرتكس في العذاب ويعود إليه ولا يفارقه! وهو الظل المقصود! على أنه تبقى في النفس بقية من الحديث عن قوله تعالى: «فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ. وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ. كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ» ..

إن تصور الحقيقة التي يقررها هذا النص وأمثاله في القرآن الكريم من النصوص التي تتعلق بالتعامل والارتباط بين مشيئة اللّه - سبحانه - واتجاهات البشر وما يصيبهم من الهدى والضلال،وما ينالهم بعد ذلك من جزاء وثواب وعقاب .. إن هذا كله يحتاج إلى استخدام منطقة أخرى من مناطق الإدراك البشري وراء منطقة المنطق الذهني! وكل ما ثار من الجدل بشأن هذه القضية سواء في تاريخ الفكر الإسلامي،وبخاصة بين المعتزلة وأهل السنة والمرجئة - أو في تاريخ اللاهوت والفلسفة - وكل القضايا والتعبيرات عنها،موسومة بطابع المنطق الذهني.

إن تصور هذه الحقيقة يحتاج إلى استخدام منطقة أخرى من مناطق الإدراك البشري وراء منطقة المنطق الذهني. وكذلك يقتضي التعامل مع «الواقع الفعلي» لا مع «القضايا الذهنية» . فالقرآن يصور الحقيقة الفعلية في الكينونة البشرية وفي الوجود الواقع وهذه الحقيقة يتراءى فيها التشابك بين مشيئة اللّه وقدره وبين إرادة الإنسان وعمله. في محيط لا يدركه المنطق الذهني كله.

فإذا قيل:إن إرادة اللّه تدفع الإنسان دفعا إلى الهدى أو الضلال .. لم تكن هذه هي الحقيقة الفعلية. وإذا قيل:إن إرادة الإنسان هي التي تقرر مصيره كله .. لم تكن هذه هي الحقيقة الفعلية كذلك! إن الحقيقة الفعلية تتألف من نسب دقيقة - وغيبية كذلك - بين طلاقة المشيئة الإلهية وسلطانها الفاعل،وبين اختيار العبد واتجاهه الإرادي. بلا تعارض بين هذه وتلك ولا تصادم ..

(1) - يراجع فصل «التخييل الحسي والتجسيم» في كتاب «التصوير الفني في القرآن» . «دار الشروق» . ( السيد رحمه الله )

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت