هذه السورة - سورة النبأ - كلها نموذج كامل لهذا التركيز على هذه الحقائق والمشاهد.ومثلها سورة «النَّازِعاتِ» وسورة «عبس» تحتوي مقدمتها إشارة إلى حادث معين من حوادث الدعوة ..وبقيتها كلها حديث عن نشأة الحياة الإنسانية والحياة النباتية ثم عن الصاخة: «يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ،وَأُمِّهِ،وَأَبِيهِ،وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ،لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ.وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ.ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ،وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ،تَرْهَقُها قَتَرَةٌ» .وسورة «التكوير» وهي تصور مشاهد الانقلاب الكوني الهائلة في ذلك اليوم،مع عرض مشاهد كونية موحية في صدد القسم على حقيقة الوحي وصدق الرسول.وسورة «الانفطار» كذلك في عرض مشاهد الانقلاب مع مشاهد النعيم والعذاب،وهز الضمير البشري أمام هذه وتلك: «يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ...إلخ» وسورة «الانشقاق» وهي تعرض مشاهد الانقلاب الكوني ومشاهد النعيم والعذاب ..وسورة «البروج» وهي تلقي إيقاعات سريعة حول مشاهد الكون ومشاهد اليوم بصدد إشارة إلى تعذيب الكفار لجماعة من المؤمنين في الدنيا بالنار.وعذاب اللّه لأولئك الكفار في الآخرة بالنار.وهو أشد وأنكى ..
وسورة «الطارق» ..وهي تعرض مشاهد كونية مع نشأة الإنسان ونشأة النبات للقسم بالجميع: «إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ،وَما هُوَ بِالْهَزْلِ» ..وسورة «الأعلى» وتتحدث عن الخلق والتسوية والتقدير والهداية،وإخراج المرعى وأطواره تمهيدا للحديث عن الذكر والآخرة والحساب والجزاء ..وسورة «الغاشية» ..وهي تصوير لمشاهد النعيم والعذاب.ثم توجيه إلى خلق الإبل والسماء والأرض والجبال ..وهكذا ..وهكذا ..إلى نهاية الجزء باستثناء سور قليلة تتحدث عن حقائق العقيدة ومنهج الإيمان.كسورة الإخلاص.وسورة الكافرون.وسورة الماعون.وسورة العصر.وسورة القدر.وسورة النصر.أو تسري عن رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وتواسيه وتوجهه إلى الاستعاذة بربه من كل شر،كسور الضحى.والانشراح.والكوثر.والفلق.والناس ..وهي سور قليلة على كل حال ..
وهناك ظاهرة أخرى في الأداء التعبيري لهذا الجزء.هناك أناقة واضحة في التعبير،مع اللمسات المقصودة لمواطن الجمال في الوجود والنفوس،وافتنان مبدع في الصور والظلال والإيقاع الموسيقي والقوافي والفواصل،تتناسق كلها مع طبيعته في خطاب الغافلين النائمين السادرين،لإيقاظهم واجتذاب حسهم وحواسهم بشتى الألوان وشتى الإيقاعات وشتى المؤثرات ..يتجلى هذا كله بصورة واضحة في مثل تعبيره اللطيف عن النجوم التي تخنس وتتوارى كالظباء في كناسها وتبرز،وعن الليل وكأنه حي يعس في الظلام،والصبح وكأنه حي يتنفس بالنور: «فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ،الْجَوارِ الْكُنَّسِ وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ.وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ» وفي عرضه لمشاهد الغروب والليل والقمر: «فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ،وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ،وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ» .أو لمشاهد الفجر والليل وهو يتمشى ويسري: