كيف قال لهم؟ كيف ماتوا؟ هل ماتوا بسبب مما هربوا منه وفزعوا؟ هل ماتوا بسبب آخر من حيث لم يحتسبوا؟ كل ذلك لم يرد عنه تفصيل،لأنه ليس موضع العبرة.إنما موضع العبرة أن الفزع والجزع والخروج والحذر،لم تغير مصيرهم،ولم تدفع عنهم الموت،ولم ترد عنهم قضاء اللّه.وكان الثبات والصبر والتجمل أولى لورجعوا للّه .. «ثُمَّ أَحْياهُمْ» ..كيف؟ هل بعثهم من موت ورد عليهم الحياة هل خلف من ذريتهم خلف تتمثل فيه الحياة القوية فلا يجزع ولا يهلع هلع الآباء؟ ..ذلك كذلك لم يرد عنه تفصيل.فلا ضرورة لأن نذهب وراءه في التأويل،لئلا نتيه في أساطير لا سند لها كما جاء في بعض التفاسير ..إنما الإيحاء الذي يتلقاه القلب من هذا النص أن اللّه وهبهم الحياة من غير جهد منهم.في حين أن جهدهم لم يرد الموت عنهم.
إن الهلع لا يرد قضاء وإن الفرع لا يحفظ حياة وإن الحياة بيد اللّه هبة منه بلا جهد من الأحياء ..
إذن فلا نامت أعين الجبناء!
«وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ» ..هنا ندرك طرفا من هدف تلك الحادثة ومغزاها وندرك طرفا من حكمة اللّه في سوق هذه التجربة للجماعة المسلمة في جيلها الأول وفي أجيالها جميعا ..ألا يقعدن بكم حب الحياة،وحذر الموت،عن الجهاد في سبيل اللّه.فالموت والحياة بيد اللّه.قاتلوا في سبيل اللّه لا في سبيل غاية أخرى.وتحت راية اللّه لا تحت راية أخرى ..قاتلوا في سبيل اللّه: «وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ» ..
يسمع ويعلم ..يسمع القول ويعلم ما وراءه.أو يسمع فيستجيب ويعلم ما يصلح الحياة والقلوب.قاتلوا في سبيل اللّه وليس هناك عمل ضائع عند اللّه،واهب الحياة وآخذ الحياة.
والجهاد في سبيل اللّه بذل وتضحية.وبذل المال والإنفاق في سبيل اللّه يقترن في القرآن غالبا بذكر الجهاد والقتال.وبخاصة في تلك الفترة حيث كان الجهاد تطوعا،والمجاهد ينفق على نفسه،وقد يقعد به المال حين لا يقعد به الجهد فلم يكن بد من الحث المستمر على الإنفاق لتيسير الطريق للمجاهدين في سبيل اللّه.وهنا تجيء الدعوة إلى الإنفاق في صورة موحية دافعة: «مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافًا كَثِيرَةً،وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ،وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ» ..
وإذا كان الموت والحياة بيد اللّه،والحياة لا تذهب بالقتال إذا قدر اللّه لها البقاء،فكذلك المال لا يذهب بالإنفاق.إنما هو قرض حسن للّه،مضمون عنده،يضاعفه أضعافا كثيرة.يضاعفه في الدنيا مالا وبركة وسعادة وراحة ويضاعفه في الآخرة نعيما ومتاعا،ورضى وقربى من اللّه.ومرد الأمر في الغنى والفقر إلى اللّه،لا إلى حرص وبخل،ولا إلى بذل وإنفاق: «وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ» ..
والمرجع إليه سبحانه في نهاية المطاف.فأين يكون المال والناس أنفسهم راجعون بقضهم وقضيضهم إلى اللّه: «وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ» ..