فالآن يرجع السياق إلى مرحلة تاريخية أسبق من عهد موسى ..يرجع إلى إبراهيم ..وقصة إبراهيم - على النحو الذي تساق به في موضعها هذا - تؤدي دورها في السياق،كما أنها تؤدي دورا هاما فيما شجر بين اليهود والجماعة المسلمة في المدينة من نزاع حاد متشعب الأطراف.
إن أهل الكتاب ليرجعون بأصولهم إلى إبراهيم عن طريق إسحاق - عليهما السلام - ويعتزون بنسبتهم إليه،وبوعد اللّه له ولذريته بالنمو والبركة،وعهده معه ومع ذريته من بعده.ومن ثم يحتكرون لأنفسهم الهدى والقوامة على الدين،كما يحتكرون لأنفسهم الجنة أيا كان ما يعملون! وإن قريشا لترجع بأصولها كذلك إلى إبراهيم عن طريق إسماعيل - عليهما السلام - وتعتز بنسبتها إليه وتستمد منها القوامة على البيت،وعمارة المسجد الحرام وتستمد كذلك سلطانها الديني على العرب،وفضلها وشرفها ومكانتها.وقد وصل السياق فيما مضى إلى الحديث عن دعاوى اليهود والنصارى العريضة في الجنة: «وَقالُوا:لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُودًا أَوْ نَصارى » ..وعن محاولتهم أن يجعلوا المسلمين يهودا أو نصارى ..ليهتدوا ..
«وَقالُوا:كُونُوا هُودًا أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا» ..كذلك وصل إلى الحديث عن الذين يمنعون مساجد اللّه أن يذكر فيها اسمه ويسعون في خرابها.وقلنا هناك:إنها قد تكون خاصة بموقف اليهود من قضية تحويل القبلة،وبالدعاية المسمومة التي أثاروها في الصف الإسلامي بهذه المناسبة.
فالآن يجيء الحديث عن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق والحديث عن البيت الحرام وبنائه وعمارته وشعائره ..في جوه المناسب،لتقرير الحقائق الخالصة في ادعاءات اليهود والنصارى والمشركين جميعا حول هذه النسب وهذه الصلات.ولتقرير قضية القبلة التي ينبغي أن يتجه إليها المسلمون ..كذلك تجيء المناسبة لتقرير حقيقة دين إبراهيم - وهي التوحيد الخالص - وبعد ما بينها وبين العقائد المشوهة المنحرفة التي عليها أهل الكتاب والمشركون سواء وقرب ما بين عقيدة إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب - وهو إسرائيل الذي ينتسبون إليه - وعقيدة الجماعة المسلمة بآخر دين.ولتقرير وحدة دين اللّه،واطراده على أيدي رسله جميعا،ونفي فكرة احتكاره في أيدي أمة أو جنس.وبيان أن العقيدة تراث القلب المؤمن لا تراث العصبية العمياء.وأن وراثة هذا التراث لا تقوم على قرابة الدم والجنس ولكن على قرابة الإيمان والعقيدة.فمن آمن بهذه العقيدة ورعاها في أي جيل ومن أي قبيل فهو أحق بها من أبناء الصلب وأقرباء العصب! فالدين دين اللّه.وليس بين اللّه وبين أحد من عباده نسب ولا صهر!!!
هذه الحقائق التي تمثل شطرا من الخطوط الأساسية في التصور الإسلامي،يجلوها القرآن الكريم هنا في نسق من الأداء عجيب،وفي عرض من الترتيب والتعبير بديع ..يسير بنا خطوة خطوة من لدن إبراهيم - عليه السلام - منذ أن ابتلاه ربه واختبره فاستحق اختياره واصطفاءه،وتنصيبه للناس إماما ..إلى أن نشأت الأمة المسلمة المؤمنة برسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - استجابة من اللّه لدعوة إبراهيم وإسماعيل وهما