ذِلَّةٌ» ..تغشاهم وتركبهم وتكربهم. «ما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ» ..يعصمهم ويمنعهم من المصير المحتوم،نفاذا لسنة اللّه الكونية فيمن يحيد عن الطريق،ويخالف الناموس ..
ثم يرسم السياق صورة حسية للظلام النفسي والكدرة التي تغشى وجه المكروب المأخوذ المرعوب:
«كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا» ..كأنما أخذ من الليل المظلم فقطع رقعا غشيت بها هذه الوجوه! وهكذا يغشى الجو كله ظلام من ظلام الليل المظلم ورهبة من رهبته،تبدو فيه هذه الوجوه ملفعة بأغشية من هذا الليل البهيم ..
«أُولئِكَ» ..المبعدون في هذا الظلام والقتام «أَصْحابُ النَّارِ» ..ملاكها ورفاقها «هُمْ فِيها خالِدُونَ» .ولكن أين الشركاء والشفعاء؟ وكيف لم يعصموهم من دون اللّه؟ هذه هي قصتهم في يوم الحشر العصيب: «وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا،ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا:مَكانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ.فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ.وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ:ما كُنْتُمْ إِيَّانا تَعْبُدُونَ.فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ ..هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ،وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ.وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ» ..
هذه هي قصة الشفعاء والشركاء في مشهد من مشاهد القيامة،مشهد حي أبلغ من الإخبار المجرد بأن الشركاء والشفعاء لن يعصموا عبادهم من اللّه،ولن يملكوا لهم خلاصا ولا نجاة.
هؤلاء هم محشورون جميعا ..الكفار والشركاء ..وهم كانوا يزعمونهم شركاء للّه،ولكن القرآن يسميهم «شركاءهم» تهكما من جهة،وإشارة إلى أنهم من صنعهم هم ولم يكونوا يوما شركاء للّه.
هؤلاء هم جميعا كفارا وشركاء.يصدر إليهم الأمر: «مَكانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ» ..
قفوا حيث أنتم.ولا بد أن يكونوا قد تسمروا في أماكنهم! فالأمر يومئذ للنفاذ.ثم فرق بينهم وبين شركائهم وحجز بينهما في الموقف: «فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ» ..
وعندئذ لا يتكلم الذين كفروا ولكن يتكلم الشركاء يتكلمون ليبرئوا أنفسهم من الجريمة.جريمة أن عبدهم هؤلاء الكفار مع اللّه،أو من دون اللّه،وإعلان أنهم لم يعلموا بعبادتهم إياهم ولم يشعروا،فهم إذن لم يشتركوا في الجناية،ويشهدون اللّه وحده على ما يقولون: «وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ:ما كُنْتُمْ إِيَّانا تَعْبُدُونَ.فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ» ..
هؤلاء هم الشركاء الذين كانوا يعبدون.هؤلاء هم ضعاف يطلبون البراءة من إثم أتباعهم.ويجعلون اللّه وحده شهيدا،ويطلبون النجاة من إثم لم يشاركوا فيه! عندئذ،وفي هذا الموقف المكشوف،تختبر كل نفس ما أسلفت من عمل،وتدرك عاقبته إدراك الخبرة والتجربة: «هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ» ..وهنالك يتكشف الموقف عن رب واحد حق يرجع إليه الجميع،وما عداه باطل: «وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ» ..وهنالك لا يجد المشركون شيئا من دعاويهم ومزاعمهم وآلهتهم،فكله شرد عنهم