الآخرة! «وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ.قالَ:ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَدًا،وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً.وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْها مُنْقَلَبًا» ! إنه الغرور يخيل لذوي الجاه والسلطان والمتاع والثراء،أن القيم التي يعاملهم بها أهل هذه الدنيا الفانية تظل محفوظة لهم حتى في الملأ الأعلى! فما داموا يستطيلون على أهل هذه الأرض فلا بد أن يكون لهم عند السماء مكان ملحوظ! فأما صاحبه الفقير الذي لا مال له ولا نفر،ولا جنة عنده ولا ثمر ..فإنه معتز بما هو أبقى وأعلى.معتز بعقيدته وإيمانه.معتز باللّه الذي تعنؤ له الجباه فهو يجبه صاحبه المتبطر المغرور منكرا عليه بطره وكبره،يذكره بمنشئه المهين من ماء وطين،ويوجهه إلى الأدب الواجب في حق المنعم.وينذره عاقبة البطر والكبر.ويرجو عند ربه ما هو خير من الجنة والثمار:قالَ لَهُ صاحِبُهُ - وَهُوَ يُحاوِرُهُ - أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا؟ لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي،وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا.وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ:ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ.إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالًا وَوَلَدًا.فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ،وَيُرْسِلَ عَلَيْها حُسْبانًا [1] مِنَ السَّماءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا [2] أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا [3] فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا» ...
وهكذا تنتفض عزة الإيمان في النفس المؤمنة،فلا تبالي المال والنفر،ولا تداري الغنى والبطر،ولا تتلعثم في الحق،ولا تجامل فيه الأصحاب.وهكذا يستشعر المؤمن أنه عزيز أمام الجاه والمال،وأن ما عند اللّه خير من أعراض الحياة،وأن فضل اللّه عظيم وهو يطمع في فضل اللّه.وأن نقمة اللّه جبارة وأنها وشيكة أن تصيب الغافلين المتبطرين.
وفجأة ينقلنا السياق من مشهد النماء والإزدهار إلى مشهد الدمار والبوار.ومن هيئة البطر،والاستكبار إلى هيئة الندم والاستغفار.فلقد كان ما توقعه الرجل المؤمن: «وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها،وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها،وَيَقُولُ:يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا» .
وهو مشهد شاخص كامل:الثمر كله مدمر كأنما أخذ من كل جانب فلم يسلم منه شيء.والجنة خاوية على عروشها مهشمة محطمة.وصاحبها يقلب كفيه أسفا وحزنا على ماله الضائع وجهده الذاهب.وهو نادم على إشراكه باللّه،يعترف الآن بربوبيته ووحدانيته.ومع أنه لم يصرح بكلمة الشرك،إلا أن اعتزازه بقيمة أخرى أرضية غير قيمة الإيمان كان شركا ينكره الآن،ويندم عليه ويستعيذ منه بعد فوات الأوان.هنا يتفرد اللّه بالولاية والقدرة:فلا قوة إلا قوته،ولا نصر إلا نصره.وثوابه هو خير الثواب،وما يبقى عنده للمرء من خير فهو خير ما يتبقى: «وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ،وَما كانَ مُنْتَصِرًا.هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ،هُوَ خَيْرٌ ثَوابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا» ..
(1) - سيل مدمر يقتل أشجارها ويهلكها. (السيد رحمه الله )
(2) - سطحا أجرد تزل فيه القدم. (السيد رحمه الله )
(3) - غائرا وهو ضد النابع. (السيد رحمه الله )