فهرس الكتاب

الصفحة 4560 من 4997

فالمشاهد والصور والظلال لهذا اليوم تختلف في سورة المعارج عنها في سورة الحاقة،باختلاف طابعي السورتين في عمومه.مع اتحاد الحقيقة الرئيسية التي تعرضها السورتان في هذه المشاهد.

ومن ثم فقد تناولت سورة المعارج - فيما تناولت - تصوير النفس البشرية في الضراء والسراء،في حالتي الإيمان والخواء من الإيمان.وكان هذا متناسقا مع طابعها «النفسي» الخاص:فجاء في صفة الإنسان: «إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا.إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا،وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا.إِلَّا الْمُصَلِّينَ،الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ ...إلخ» ..

واستطرد السياق فصور هنا صفات النفوس المؤمنة وسماتها الظاهرة والمضمرة تمشيا مع طبيعة السورة وأسلوبها: «إِلَّا الْمُصَلِّينَ.الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ.وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ.وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ.وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ.إِنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ.وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ.إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ.فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ.وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ.وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ.وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ ...» ..

ولقد كان الاتجاه الرئيسي في سورة الحاقة إلى تقرير حقيقة الجد الصارم في شأن العقيدة.ومن ثم كانت حقيقة الآخرة واحدة من حقائق أخرى في السورة،كحقيقة أخذ المكذبين أخذا صارما في الأرض وأخذ كل من يبدل في العقيدة بلا تسامح ..فأما الاتجاه الرئيسي في سورة المعارج فهو إلى تقرير حقيقة الآخرة وما فيها من جزاء،وموازين هذا الجزاء.فحقيقة الآخرة هي الحقيقة الرئيسية فيها.ومن ثم كانت الحقائق الأخرى في السورة كلها متصلة اتصالا مباشرا بحقيقة الآخرة فيها.من ذلك حديث السورة عن الفارق بين حساب اللّه في أيامه وحساب البشر،وتقدير اللّه لليوم الآخر وتقدير البشر: «تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ،فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا.إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا وَنَراهُ قَرِيبًا ...» إلخ وهو متعلق باليوم الآخر.

ومنه ذلك الفارق بين النفس البشرية في الضراء والسراء في حالتي الإيمان والخلو من الإيمان.وهما مؤهلان للجزاء في يوم الجزاء.ومنه غرور الذين كفروا وطمعهم أن يدخلوا كلهم جنات نعيم،مع هوانهم على اللّه وعجزهم عن سبقه والتفلت من عقابه.وهو متصل اتصالا وثيقا بمحور السورة الأصيل.وهكذا تكاد السورة تقتصر على حقيقة الآخرة وهي الحقيقة الكبيرة التي تتصدى لإقرارها في النفوس.مع تنوع اللمسات والحقائق الأخرى المصاحبة للموضوع الأصيل.

ظاهرة أخرى في هذا الإيقاع الموسيقي للسورة،الناشئ من بنائها التعبيري ..فقد كان التنوع الإيقاعي في الحاقة ناشئا من تغير القافية في السياق من فقرة لفقرة.وفق المعنى والجو فيه ..فأما هنا في سورة المعارج فالتنوع أبعد نطاقا،لأنه يشمل تنوع الجملة الموسيقية كلها لا إيقاع القافية وحدها.والجملة الموسيقية هنا أعمق وأعرض وأشد تركيبا.ويكثر هذا التنوع في شطر السورة الأول بشكل ملحوظ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت